المستشار - دراسة قانونية حول عبارة شخص غير مرغوب فيه ( Persona non grata ) على ضؤ الواقع والقانون وفي المفهوم الديبلوماسي، وقضية السفير الإيراني كمثال

دراسة قانونية

حول عبارة شخص غير مرغوب فيه (   ( Persona non grataعلى ضؤ الواقع والقانون وفي المفهوم الديبلوماسي، وقضية السفير الإيراني كمثال

بقلم: المحامي وليد نورالدين الخطيب

مما لا شك فيه أن الوقائع السياسية ليست في جوهرها مجرد أحداثٍ تروى أو مواقف يتم تناقلها على عواهنها، بل هي بناءٌ دقيق يقوم على مفاهيم وضوابط وأصول في الفهم والتحليل والتدقيق.

غير أن الناس على مختلف مشاربهم وتباين ثقافاتهم وأوضاعهم، كثيراً ما يخلطون بين السياسة بوصفها علماً له أدواته، وبين ما يتم التداول به من أخبار إعلامية او بواسطة وسائل التواصل الاجتماعي اليومي، بما يحمله من إنطباعات وآراء عابرة ومتضاربة، فيفسّرون الأحداث وفق تصوراتٍ قاصرة أحياناً، أو أحكامٍ مسبقة تتعارض مع الحقيقة أحياناً أخرى. وهنا تتجلى الإشكالية بوضوحٍ وجلاء، حين يتصدى الجاهل او المتحّيز للأمور بالقول في ما لا يحسن، فيتكلم بلسان العارف، ويقحم نفسه ونزواته في الرأي والحكم على الأمور، فيفسد المعنى، ويشوّه الحقيقة، فيذكرنا بما قيل في التراث العربي

ومن جهُلت نفسه قدرها          رأى غيرُه منه ما لا يرى

وتزداد خطورة هذا الخلط حين يتقدم من لا يملك ادوات المعرفة لإبداء الرأي في مسائلٍ دقيقة، فيعبر إنطلاقاً من فكره ورأيه في الموضوع، ويدخل الهوى في مقام الحكم الصحيح فيفسد القول والتقريروالحقيقة ليذكرنا بما قاله  Michel de MONTAIGNE من أنه، الأهم عقلٌ مُحكم، من عقل مثقل بالمعلومات 

  • IL vaut mieux une tête bien faite qu’une tête bien pleineوفي أي مجتمع لا يمكن إعتبار المقاربة السليمة للشأن العام ترفاً فكرياً، بل هي إلزام صارم بمنهجٍ يفرض التمييز بدقة وتجرّد، بين ما هو سياسي بوصفه ممارسةً محكومة بالقواعد، وما هو تواصلي يومي تحكمه الإنطباعات الشخصية. غير أن الخلط بين هذين المستويين بات ظاهرةً مألوفة، حيث تفسر الوقائع وفق أهواء أو تصوّرات مبتورة أو غائية، فينقلب التحليل إلى إسقاط ذاتي، ويغدو الرأي إنعكاساً للنزعة الذاتيةلا للمعرفة. ولهذا نبّه الفقه والفكر الفرنسيان الى خطورة مثل هذا  Raymond Carré de Malberg Le droit n’est pas un opinion, mais une construction logique

وبشكلٍ أدق في هذا التوجّه يُحذّر Jean Riveroمن أن القانون يتطلّب دقةً ومنهجاً، لا إنفعالاً وتقريباً

Le droit exige rigueur et méthode, non passion etapproximation

وعلى هذا الأساس، وعندما حصل أن تناول الإعلام مسألة الإشكالية الحاصلة بين وزارة الخارجية والمغتربين مع السفير الإيراني في لبنان الذي تقدم بنسخة عن أوراق إعتماده للوزارة المذكورة بهدف تحديد موعد له مع فخامة رئيس الجمهورية لتقديم أوراق إعتماده لديه، وما حصل بعد ذلك من قيام وزارة الخارجية والمغتربين، بإستدعاء القائم بالأعمال الإيراني وإبلاغه أن الدولة اللبنانية تعتبر السفير شيباني شخصاً غير مرغوبٍ فيه وبوجوب تركه لبنان خلال فترة زمنية حددتها له. الأمر الذي حرّك العديد من المعنيين وغير المعنيين في الشأن السياسي بتأييد هذا  الموقف أو إستنكاره، وكان لا بد من بحث الأمر بموضوعية، للتعريف بالدبلوماسية بصورةٍ عامة، ومن ثم مناقشة  الصلاحية، في إصدار القرار بإعتبار الدبلوماسي غير مرغوبٍ فيه، أهو مجلس الوزراء، أم وزير الخارجية والمغتربين، لنشير بداية:

 " أن كلمة الدبلوماسية مشتقة من الكلمة اليونانية Diploma )) وتعني حرفياً " وثيقة مطوية " أو " وثيقة رسمية " وقد إستُعملت كما هي بعد ذلك في اللاتينيةDiploma))التي تشير الى مستند رسمي يُمنح بموجبه حاملها إمتيازات او تفويضات،

ومع مرور الزمن والوقت، أخذت هذه الكلمة في العصور الحديثة المعنى السياسي المعروف، فأصبحت مرتبطة بفن إدارة العلاقات بين الدول، أي الفن أو المهارة في التفاوض، والمراسلات، وحل النزاعات بين الدول بطريقة رسمية وودية في آنٍ معاً.

وإختصاراً، يكون الأصل إذن، يشير الى وثيقة رسمية، تطوّر معناها ليشير الى فن التعامل الرسمي بين الدول، وبالتالي تستخدم الكلمة هذه أحياناً بشكل غير دقيق، وبدلالاتٍ مختلفة، فأحياناً تستخدم كمرادف للسياسة الخارجية، وأحياناً أخرى نقول مثلاً إن هذه المشكلة الناشئة بين هاتين الدولتين يمكن حلّها بالطرق الدبلوماسية. وتعني الكلمة أحياناً المؤسسة المشرفة على السياسة الخارجية للدولة، وتأتي بعض الأحيان بمعنى الدهاء السياسي في التعامل بين الدول.

وقد عرّفها  الهنود منذ ثلاثة آلاف سنة على أنها:

" القدرة على إثارة الحرب وتأكيد السلام بين الدول  "

" ويعرِّف الدكتور حسن صعب الدبلوماسية بأنها " علم وفن وقانون وتاريخ ومؤسسة ومهنة "

" إنها علم: لأنها تنطوي على قواعد وأصول محددة تحكم ممارستها وكيفية تطبيقها في العلاقات بين الدول.

ويشير السير هارولد نيكلسون الى هذا الإتجاه العلمي للدبلوماسية فيقول:

" إن وزارة الخارجية البريطانية مثلاً، لديها في إدارة المعاهدات موظفون متخصصون في المراسم الدبلوماسية ولها في مكتبتها هيئة من الخبراء الأكِفاء جداً في الأسبقيات ( Préséances ) ولها بين خبرائها القانونيين مجموعة من الفنيين لهم خبرة في دقائق صياغة المعاهدات والقانون الدولي. وبدون هؤلاء الموظفين الخبراء في التاريخ وفي القانون قد تغفل أسبقيات وتقع أخطاء كثيرة. ومن هنا تظهر ضرورة الإهتمام بما يمكن أن يسمى الأصول العلمية أو الفنية للممارسة الدبلوماسية "

وهي فن: حيث أن تطبيقها يستلزم الموهبة والقدرة وفن الإقناع عند من تناط بهم ممارستها ووضعها موضع التطبيق.

وهي قانون: لأن قواعدها وأصول ممارستها أصبحت موحدة بين مختلف الهيئات الدولية وأشخاص القانون الدولي. وقد أصبحت بالتالي جزءاً هاماً من القانون الدولي العام.

وهي تاريخ: لأن تطورها إرتبط ويرتبط بتطور العلاقات الدولية. كما أنها سجل لتاريخ التعامل والتواصل بين الأمم.

وهي مؤسسة: حيث أنها تمارس من خلال هيئات ومؤسسات متخصصة ومستقلة في إطار كل دولة.

وهي مهنة: فالذين يمارسونها اليوم، ينصرفون لها بكامل نشاطهم وبالتالي يتفرغون لأداء وظائفهم كأي نشاط سياسي أو إداري متخصص ومستقل.

ويعرّفها شارل دي مارتنس ( Charles De Martins ) بأنها " علم العلاقات والمصالح المتبادلة بين الدول، أو هي فن التوفيق بين مصالح الشعوب، وبعبارة أدق: علم أو فن المفاوضة " وعرّفها معجم أو كسفورد بأنها: " أولا: علم رعاية العلاقات الدولية بواسطة المفاوضات. وثانياً: الطريقة التي يتبعها السفراء والممثلون الدبلوماسيون في تحقيق هذه الرعاية "

( الدكتور هاني الرضا في مؤلفه: الدبلوماسية، تاريخها، قوانينها، وأصولها، منشورات دار المنهل اللبناني، بيروت 1997،  ص. 9 وما يليها).

ولكن البعض رأى أيضاً أن التعبير لاتيني لأن عبارة شخص غير مرغوبٍ فيه هي لاتينية وإنما أصل كلمةDiploma   بالذات لغوياً هو بالفعل من اليونانية،  ورأى هذا البعض أنه، بسبب التأثير اليوناني على الثقافة الرومانية او الحضارة الرومانية التي تأثرت بالفكر والفلسفة اليونانية، إختلط الأمر على هذا البعض بين أصل الكلمة اليوناني أم اللاتيني. خاصةً أن اليونانية القديمة لم تستخدم هذا التعبير، إنما عرفت مفاهيم قريبة مثل النفي أو الإبعاد او النبذ Ostracism أي رفض هذا الشخص أو ذاك سياسياً وإجتماعياً. لكنهم لم يستعملوا عبارة مطابقة لمفهوم الشخص غير المرغوب فيه. وما يُرجّح ذلك في نظرهم، أن اليونانية لغة فلسفية تحليلية، غنية بالمفاهيم المجردة، إستُخدمت في الفلسفة والعلوم. بينما اللاتينية هي لغة قانون وإدارة، تميل الى الدقة والصياغة المعيارية، الأمر الذي يؤدي الى القول أن اليونانية لغة فكر Philosophia بينما اللاتينية هي لغة سلطة Imperium وبالتالي رجّح هذا البعض هذه النظرة . ولكن بصرف النظر عن أصل الكلمة لغوياً، نرى أنها عبارة لاتينية التداول والتعامل، ما يهمنا منها هو خاصية استخدامها، خاصةً أن هذا التعبير، درجت عليه معظم الدول حتى وقتنا هذا بإعتباره  تجسيداً مباشراً للطبيعة السيادية لهذ القرار الذي يصدر عن الدولة إنطلاقاً من حقها السيادي على اراضيها، ولهذا جاءت كذلك، حتى بدون تعليل، وكما تمّ التعامل على أساسه بدايةً، ووفقاً لما نصّت عليه المادة 9 من إتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، حسب ما سيأتي بيانه لاحقاً.

وبما أنه، وقبل التطرق الى الموضوع الأساسي من المفيد الإشارة الى ان الدبلوماسية هي كما تم الإشارة اليه أعلاه مع الإضافة الى أنها علم وفن واسلوب معقّد لتمثيل الدول، وإجراء المفاوضات فيما بينها، وعلى هذا أطلق عليها البعض تسميتها بالقوة الناعمة Soft power.

وإذا كانت الدبلوماسية على النحو المتقدم ذكره، فلا بد من أن وزارة الخارجية في أي بلدٍ، تختص مبدئياً، دون غيرها، بمفاهيم وتعابير ومصطلحات خاصة او مشتركة لما إستقرت عليه القوانين والأعراف المتعلقة بالدبلوماسية ومصطلحاتها، وما تضمّنه العلم السياسي والدبلوماسي في هذا الصدد. ومن جملة هذه المصطلحات ما أُثير مؤخراً  في ما يعود  لما قامت به وزارة الخارجية والمغتربين في لبنان وفيما تمّ التصريح عنه، وفقاً لما نشرته الصحافة ووسائل الإعلام، بطرد السفير الإيراني في بيروت، وإعتباره شخصاً غير مرغوبٍ فيه Persona non grata، وهذه العبارة تختصر أساساً بالمصطلح الموجز P.N.G..  وقد حددت له مهلة زمنية للمغادرة.

 وبما أن العديد من الجهات والأشخاص، وكما تقدم ذكره، عمدوا الى إبداء وجهة نظرهم في هذا الموضوع وعمدوا الى التعليق عليه كأفراد او جماعات مختصة، أو غير مختصة، إنطلاقاً من إبداء رأيهم فيه، سواءً من الناحية القانونية أو السياسية أو الشخصية في هذا الشأن وغيره، وما حملته هذه التعليقات من تأييد أو رفض لهذا الموضوع، الأمر الذي حملنا على إبداء وجهة النظر القانونية الصرفة غير المتحيّزة هذه بتجرد، نفعاً للقانون من جهة، وإعمالاً لتبيان الحق والأصول التي تحكمها العلاقات والإتفاقيات الدولية والدبلوماسية وأعرافها من جهةٍ أخرى، وبدون تحيّز، ولا سيما إتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، والصادرة بتاريخ 18/4/1961، والتي أجازت السلطة التشريعية الإنضمام اليها بموجب القانون رقم 17 تاريخ 26/12/1970، الذي نُشِر في الجريدة الرسمية بالعدد رقم 9 تاريخ 2/1/1971 بهدف وضع الأمور في نصابها القانوني الصحيح، وفقاً لما نراه صواباً، وعلى ضؤ ما سيلي بيانه، بعد أن أمعن هؤلاء وأولئك، بالتعليق سلباً أو إيجاباً على ما قامت به وزارة الخارجية والمغتربين. فكان أن قام العديد من السياسيين والصحافيين وأساتذة الجامعات والمحامين والناشطين واصحاب الرأي وغيرهم بعد نشر هذا الخبر إعلامياً، بالتعليق على ذلك، كان منهم من أصاب  أو أخطأ، ومنهم من هو  مؤيد أو منهم من هو معارض لهذا التدبير الذي قامت به وزارة الخارجية والمغتربين، إنطلاقاً من وجهة نظر كلٍ منهم، فتعالت الصيحات تأييداً لهذا العمل أو إستنكاره. خاصةً من بعض أولئك الذين أشبعوا الموضوع تعليقاً دون إختصاصهم في ذلك، حيث يحضرنا بصددهم قول السيد المسيح:

" اتركوهم، هم عميان قادة عميان، وإن كان أعمى يقود أعمى يسقطان كلاهما في حفرة" ( إنجيل متى 15-14).

او ما قال عن مثل هؤلاء في إصحاحٍ آخر:

" من ثمارهم تعرفونهم، هل يجتنون من الشوك عنباً ومن الحسك تيناً " ( انجيل متى 7-16)

وهذا الأمر إستعرّت فيه المناقشات والمواقف المبنية على الآراء والنظريات التي أبداها هؤلاء وأولئك، سلبيةً كانت أم إيجابية، مما يوجب معه ذكر ما قاله مونتيسكيو في حالة من يتكلم بالعمق بموضوع لا شأن له فيه، والذي جاء يصف حالة هؤلاء ممن أخطأوا في الكلام بجهالة عن الموضوع، حيث قال بما معناه أن:

" الحس السليم يقوم الى حدٍ كبير على معرفة فوارق الأشياء الدقيقة.

ولا شيء يخنق الفكر ( أو الرأي ) أكثر من إلباس كل الأشياء ثوب العالِم ( أو صبغه بصبغة علمية متكلفّة )

« Le bon sens consiste beaucoup à connaître les nuances des choses.

Rien n’étouffe plus la doctrine que de mettre à toutes les choses une robe de docteur « 

Montesquieu ( Défence de l’Esprit des lois, III~éme partie (

 وبالتالي فإن المُغالي في التشدد سلباً، أو إيجاباً، الذي أقحم نفسه بشكلٍ أفقد الأمر خاصيته العلمية، لتناسيه مثلاً رأي الإمام الشافعي في هذا الصدد وفي دعوته الصريحة للتواضع العلمي وعدم الإدعاء بالإحاطة، عندما قال: رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب ".

وبما أن أخطر ما يُفسد النقاش العام هو تصدي غير المختصين للحديث في مسائل دقيقة، وبدون تدقيقهم في أعماقها وصحتها، فيُسقِطون أهواءهم على مفاهيمٍ لا يحيطون بها علماً أو معرفةً، فتضيع الفوارق وتشوّه الحقائق، ويغدو الرأي الشخصي بديلاً عن المعرفة الحقة، فينطبق عليهم قول النبي محمد (صلى الله عليه وسلّم) :

" إن الله لا يقبض العلم إنتزاعاً، بإنتزاعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبقَ عالماً إتخّذ الناس رؤوساً جهالاً، فسُئلوا فأفتوا بغير علم، فضّلوا وأضّلوا" ( رواه البخاري).

هذا من حيث النظرة العامة للموضوع. فكيف بنا والأمر متعلق  في القضايا الدبلوماسية التي لا تُفهم إلا في سياقها القانوني والسياسي الدقيق والمتخصص،  وأعرافها المتداخلة، والتي توجب على المرء أن لا يقحم نفسه في موضوع لا يدرك أبعاده، وإنما أن تأتي تعليقاته عن معرفة ليخوض أمرٍ كهذا يعرف أبعاده وفقاً لقولٍ فرنسي شائع:

Il faut savoir douter où il faut, affirmer où il faut

 وبالإختصار لكي لا نطيل في هذا الشأن التقيد بقول  Socratesعندما عبّر عن مفهومه للمعرفة بقوله بما معناه أن أساس الحكمةإدراك حدود المعرفة،

“   I know that I know nothing “

 الأمر الذي أملى علينا، بل وحتّم، وجوب التطرق الى هذا الموضوع بتجردٍ وموضوعية كما تقدم ذكره.

وبما أن التعابير يتعيّن إختيارها وحُسن إسقاطها في مكانها الصحيح، الأمر الذي يوجب معه قبل التداول في ما شاع اعلامياً بشأنها، عن قيام وزير الخارجية والمغتربين اللبناني بتقرير الطرد للسفير الإيراني في لبنان، أو إعتباره غير مرغوبٍ فيه، المرور بمراحلها الواقعية الحقيقية، كما هو حاصلٌ فعلاً. الأمر الذي يوجب علينا معه التحقق عن ما هو السند القانوني للخبر الصحيح والرسمي الحاصل، والذي يعطي الثقة والطمأنينة للوصف الحاصل لما قامت يه وزارة الخارجية والمغتربين، وعلى ضؤ القوانين والأنظمة المرعية الإجراء. لأن ما يجب التعليق عليه وفقاً  لمنظورنا هو هذا الخبر الصحيح الدقيق، والثابت بسنده القانوني فقط دون غيره من المعلومات المغلوطة غير الصحيحة، والآراء والنظريات المنطلقة من الدوافع الشخصية، التي تزكّي في الحدث نار الفتنة والتعصب والإنقسامات المحلية التي تدمي المجتمع اللبناني وتؤلب أفراده على بعضهم البعض،  ما يمكن أن يخرجه عن واقعه الفعلي والقانوني، جهلاً او قصداً أو عدم فهم لأبعاده وإنعكاساته. بسبب الخبر الوارد على عواهنه، دون التحقق من صحته وصدقه أو معرفة كنهه قانوناً. الأمر الذي يدفعنا الى معالجة موضوع السفير الإيراني على ضؤ الواقع والقانون، وفقاً للقوانين المقارنة والمحلية، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، القوانين اللبنانية والأنظمة المرعية الإجراء، ولا سيما تلك المتعلقة منها بالعلاقات الخارجية، وإتفاقية فيينا، وعلم العلاقات الدولية، والقانون الدولي العام، والذي يوجب علينا تقسيم الموضوع الى مراحلٍ ثلاثة هي:

*-  المفهوم القانوني العام للتعبير بأن الشخص غير مرغوب فيه.

*- الجهة التي يعود لها قانوناً أمر إعتبار الدبلوماسي شخصاً غير مرغوب فيه.

* قرار وزير الخارجية والمغتربين بهذا الخصوص على ضؤ الواقع والقانون، فنشير لهذه المراحل الثلاث بقولنا بشأن:

الأولى- المفهوم القانوني العام لعبارة شخص غير مرغوب فيه Persona non grata، وخاصةعلى ضؤ أحكام المادة 9 من إتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية المؤرخة في 18/4/1961، والمنشورة في الجريدة الرسمية العدد رقم 9 تاريخ 2/1/1971 والمعمول بها في لبنان بموجب القانون رقم 17 تاريخ 26/12/1970 ( إجازة إنضمام لبنان الى إتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية)

بما أن سريان القانون رقم 17 المشار إليه أعلاه أصبح سارياً في لبنان إعتباراً من تاريخ 10/1/1971، وذلك سنداً للمادة الأولى من المرسوم الإشتراعي رقم 9/ET تاريخ 21/11/1939، والمعدلة بالمرسوم الاشتراعي رقم 16 تاريخ 13/4/1943، والتي جاء فيها:

" إن القوانين والمراسيم تصبح من الآن فصاعداً مرعية الإجراء في جميع أنحاء الجمهورية اللبنانية، من اليوم الثامن الذي يلي نشرها في الجريدة الرسمية".

وبما أن ما تقدم يعني أن إتفاقية فيينا أصبحت سارية في لبنان قانوناً إعتباراً من تاريخ 10/1/1971 ، وقد نصّت المادة 9 المذكورة فيها على ما يلي:

" 1-   يجوز للدولة المعتمد لديها، في جميع الأوقات، ودون بيان أسباب قرارها، أن تعلن للدولة المعتمدة، أن رئيس البعثة، أو أي موظف دبلوماسي فيها شخص غير مرغوبٍ فيه، أو أن أي موظف آخر فيها غير مقبول. وفي هذه الحالة تقوم الدولة الُمعتمِدة، حسب الإقتضاء، إما بإستدعاء الشخص المعني، أو بإنهاء خدمته في البعثة، ويجوز إعلان شخص غير مرغوب فيه أو غير مقبول قبل وصوله الى إقليم الدولة المعتمد لديها.

  1.  يجوز للدولة المعتمد لديها، أن ترفض الإعتراف بالشخص المعني فرداً في البعثة. إن رفضت الدولة المُعتمِدة أو قصّرت خلال فترة معقولة من الزمن عن الوفاء بالتزاماتها المترتبة عليها بموجب الفقرة 1 من هذه المادة ".

وهنا لا بد قبل التطرق الى مفهوم المادة 9 المذكورة، الإشارة الى عبارتين قد تثيران لغطا ًأو تساؤلاً وهما الفرق بين:

  • أي موظف دبلوماسي غير مرغوبٍ فيه: وهذه العبارة تنحصر في من يتسّم مركزه بمنصب دبلوماسي في البعثة الدبلوماسية.
  • أي موظف آخر غير مقبول: وهذه العبارة تنحصر في أحد العاملين في البعثة الدبلوماسية دون أن يتّسم عمله بأي منصب دبلوماسي فيها.

فإقتضى التنويه بذلك لتوضيح الأمر،

 ونعود إذن الى النتائج القانونية المستخلصة من المادة /9 / لبيان مضمونها بالقول أنه :

  • على الدولة الموفدة :سحب الدبلوماسي فوراً، أو إنهاء مهامه في البعثة.
  • إذا لم تمتثل: يجوز للدولة المضيفة رفض الإعتراف به كدبلوماسي ( تسقط الحصانة الدبلوماسية عنه عملياً عند إنتهاء المهلة المحددة له بالمغادرة دون ان يقوم بذلك)

وتصّرف الدولة الُمعتمِدة تكون طبيعته القانونية أنه:

*- إجراء سيادي لا يحتاج الى تسبيب أو تعليل. ذلك أن إمتناع الدولة عن بيان أسباب إعلان الشخص غير مرغوب فيه، رغم قدرتها على ذلك، لا يعّد فراغاً أو نقصاً أو إنعداماً في التعليل، بل تجلياً لرقابة الذات الدبلوماسية، وتكريساً لسياسة هادئة تتفادى التصعيد وتُبقي الباب مفتوحاً أمام إستمرارية العلاقات الدولية مع الدولة الأخرى. ولكونه  إجراءً سيادياً هو، ولهذا السبب غير خاضع لرقابة القضاء

*- إثبات مخالفة لها بعد إستراتيجي، بإعتبار عدم ذكر السبب، مما يسمح عملياً بإبقاء قنوات التواصل مفتوحة، ويجنب الإحراج العلني للدولة الأخرى، ويسهّل التراجع او التسوية لاحقاً. لذلك هذا الأمر يجيز للدول هذا الإعتبار أي دون إبداء الأسباب Without having  to explain its decision هو عنصر جوهري في العلاقات الدبلوماسية للأسباب المشار إليها أعلاه،

  • ويُعد من أدوات :
  • حماية الأمن الوطني.
  • الرد الدبلوماسي.

أي يعتبر فقهاً أنه :" سلاح دبلوماسي صامت لكنه حاسم".

وتطبيقاته العملية تنحصر في حالاتٍ أبرزها:

  1. حالات التجسس:
  • إعلان ديبلوماسيين " غير مرغوب فيهم " بسبب الاشتباه بقيامهم بأعمال متعلقة بالتجسس: مثلاً:
  •  طرد دبلوماسيين روس من عدة دول اوروبية بعد قضية  تسميم سيرغي سكريبال.
  • إعتبار السيد كورت فالدهايم، الأمين العام السابق للأمم المتحدة، والرئيس السابق للنمسا، وزوجته، شخصين غير مرغوب فيهما في الولايات المتحدة، وفي بلدانٍ أخرى، بعد إتهامه بحصوله على معلومات بشأن جرائم حرب قام بها الحكم النازي، ولم يقم بما يلزم تجاه ذلك.
  • عام 2011، اعلنت الولايات المتحدة بطرد سفير الإكوادور وإعتباره " شخصاً غير مرغوبٍ فيه"، وذلك ضمن إطار المعاملة بالمثل " Tit for tat" التي سيرد بيان مفهومها أدناه، بخصوص التعامل بالمثل، بعد أن قامت الإكوادور بطرد السفير الأميركي لديها لأسباب ظهور وثائق من ويكيليكس خااصة بالخارجية الأميركية تشير الى أن رئيس الإكوادور رفائيل كوريا كان مضطلعاً بتورط مسؤولين أمنيين ذوي مستوى في قضايا متعلقة بالفساد....
  1. التوترات السياسية :
  • تبادل طرد دبلوماسيين بين دول متخاصمة ( غالباً بشكل المعاملة بالمثل)، وهذا التعبير الأمثل بالعربية يقابله في الفرنسيةReciprocité  أو Reciprocity في الإنكليزية التي إبتدعت تعبيراً آخراً لهذا المصطلح غير رسمي ولكنه شائع هو Tit for tat . والذي يعني المعاملة بالمثل أي الإلتزام بالتماثل في الفعل.( مع الإشارة الى أن هذا التعبير قد يستعمل أيضاً بطريقة إيجابية في تحسين العلاقات بين بلدين أو أكثر بهدف تسهيل وتقديم الخدمات الممكنة من بلدٍ لآخر. ويأتي هذا التدبير صوناً للتوازن في إطار التكافؤ في التعامل بين الدول)
  1. إساءة التصرف :
  • تدخل في الشؤون الداخلية.
  • تصريحات سياسية غير مقبولة.

وهنا لا بد من الإشارة تخصيصاً في هذ المجال الى أحكام المادتين 41 و42 من إتفاقية فيينا لتعلقهما بمسألة إساءة التصرف المشار اليه ونصهما هو:

المادة 41: " 1- يجب على المتمتعين بالإمتيازات والحصانات مع عدم الإخلال بها،  إحترام الدولة المعتمد لديها وأنظمتها، ويجب عليهم كذلك عدم التدخل في شؤونها الداخلية.

                 2- يجب في التعامل مع الدولة المعتمد لديها بشأن الأعمال الرسمية التي تسندها الدولة أن يجري مع وزارة خارجية الدولة المعتمد لديها أو عن طريقها، أو أية وزارة أخرى قد يتفق عليها......"

المادة 42: لا يجوز للمبعوث الدبلوماسي أن يمارس في الدولة المعتمد أي نشاط مهني أو تجاري لمصلحته الشخصية "

وبالتالي أي مخالفة لأحكام المادتين أعلاه يُدخلان المبعوث الدبلوماسي في مفهوم إساءة التصرف ويعرضانه للمساءلة والتصرف على أساس إساءة التصرف تجاه الدولة المعتمد لديها.

هذا ويتجسد التعريف بالعربية لوصف الشخص غير المرغوب فيه او شخص غير مقبول دبلوماسياً باللغتين:

  • الفرنسيةpersonne non grata ( وهي الصيغة المستعملة رسمياً في القانون الدولي.
  • الإنكليزية Persona non grata( تستعمل كما هي في أصلها باللاتينية) ويُستخدم في الإنكليزية أحياناً تعبيراً آخراً هو  Unwelcome person.

ولا بد هنا من الإشارة إستثناءً، الى أن المملكة المتحدة-بريطانيا-  في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين كانت تعتمد تعبيراً بالغ النعومة عن موقفها تجاه شخص لا ترغب فيه القول أن حضوره لم يعُد مفيداً هو

“ His presence is no longer considered useful”

 واللافت في هذا الإطار ووفقاً لما سيلي بيانه تفصيلاً، أن عبارة Persona non grata في الفقه القانوني لا تعتبر عقوبة، وإنما تعتبر إجراءً وقائياً سيادياً أقرّه النص وكرّسته الأعراف الدبلوماسية، وبذلك يتميز عن الطرد العادي الإداري أو الإبعاد، وعن العقوبات الجزائية للأسباب المتقدم ذكرها آنفا لوجوب أن تأتي التدابير المتتابعة في العلاقات الدبلوماسية بين الدول متدرجة المراحل كما سيتبين لنا لاحقاً، وفقاً لواقع الفعل ووقعه، وتصرف رد فعل الدولة المُضيفة على أساسه.

وعلى هذا الأساس يكون التدبير المعلن بحق السفير الإيراني بأنه شخصاً غير مرغوبٍ فيه يقع مبدئياً، وبصرف النظر عن قانونيته من عدمها، ضمن سلسلة الإجراءات التي لم تصل الى نهايتها في التدرج  المشار اليه أعلاه وأقصاها قطع العلاقات الدبلوماسية، وهو أمر كان سليماً لو كان تقريره صادراً عن مجلس الوزراء، لا مباشرته إنفرادأ من وزير الخارجية والمغتربين، الذي لا يملك، وبالشكل الذي صدر فيه حقاً قانونياً بإصداره او إعلانه قبل تقريره من المرجع القانوني المختص العائد له هذا الحق دون غيره بإعتبار أن وزير الخارجية والمغتربين هو من ضمن حكومة تُعتبر في النظام البرلماني أنها هيئة عامة متضامنة في سياستها العامة، ومسؤولة أمام مجلس النواب. وهو ما  ذهب إليه المرحوم الدكتور إدمون رباط بأن

“ الحكومة مسؤولة مسؤولية جماعية عن سياستها العامة أمام مجلس النواب “

( أستاذنا المرحوم الدكتور إدمون رّباط، الوسيط في القانون الدستوري اللبناني، دار العلم للملايين، بيروت 1982، ص. 623-625)

 فالحكومة في النظام البرلماني هيئة متضامنة في سياستها العامة، ومسؤولة عنها أمام مجلس النواب. لذلك لا يستطيع وزير الخارجية والمغتربين إلا أن يكون من صناع القرار من خلال قرار يصدر عن هذه الهيئة او بمعنى آخر السلطة الإجرائية التي يعود لها نصاً وقانوناً البت والتقرير في هذا الأمر، وليس عن أحد أفرادها مباشرةً وإستقلالاً خلافاً لما قررته النصوص القانونية وفقاً لما سيأتي بيانه تفصيلاً أدناه.

الثانية: الجهة التي لها الحق بتقرير من يملك إعلان أن شخصاً غير مرغوب فيه Persona non grata على الصعيد اللبناني، وهي هنا مجلس الوزراء حصرأ  لصراحة النص، وتحديداً المادة 65 من الدستور المعدّلة بموجب القانون الدستوري رقم 18 تاريخ 21/9/1990:

بما أن العلاقات الدبلوماسية تتسم مصطلحاتها في الغالب، بأنها غير مباشرة وتعابيرها تختلف عن بقية التعابير الأخرى، فهي فن قول ما لا يقال ،

La diplomatie est l’art de dire les choses sans les dire

والإيحاء بما يراد دون التصريح به، وقوامها ليس في التصريح، وإنما في التلميح، فهي لغة الإشارة لا العبارة، وتخفي المقصود لتبلغه بأبلغ أثر،  بمعنى آخر أنها خطاب يُدار بين ظاهرٍ يقال، وباطنٍ يراد، حيث تصبح المواربة أداة دقة، لا نقص صراحة . فالدبلوماسي لا يصرّح بقدر ما يلمّح، ولا يصادم وإنما يعتمد لغة إفهام الأمور من بين السطور، لذلك كانت عباراتها الى حدٍ كبير تلميحاً لا تصريحاً. لا يقول الحقيقة كاملةً، بل يقول منها ما يبقي الباب مفتوحاً، أي أن وزن كلامه هو بميزان النتائج لا بميزان الوقائع فقط، وهو فن إدارة المعنى لا نقله كما هو، أي بمعنى آخر إختيار اللفظ بحسب السياق، وهو لب اللغة الدبلوماسية وجوهرها، ويمكن إختصاره كما قيل" في الكلام فنون، ولكل فنٍ أهله"، أو كما قال أحد أعظم الدبلوماسيين الفرنسيين Talleyrand  عندما قال أن الكلمة أعطيت للإنسان ليخفي بها فكره:

“ La parole a été donnée à l’homme pour déguiser sa pensée « 

وبما أن عبارة " شخص غير مرغوبٍ فيه " هو إصطلاح يشكّل أحد أبرز أدوات الدولة حساسيةً ومسؤولية في آنٍ معاً، في سياسة وإدارة علاقاتها الدبلوماسية مع باقي الدول. فهو تعبير سلبي لطيف مهذب عن سيادتها على أراضيها، في قبول أو رفض ممثلي الدول الأجنبية على إقليمها. ويتميّز هذا المفهوم بخصوصيته، إذ يقع عند تقاطع القانون الدولي العام والقانون الدستوري للدولة، مما قد يثير إشكاليات دقيقة حول الجهة المختصة بإتخاذه وتقريره، ومن ثّم آثاره القانونية بإنعكاساته بين الدول وممثليها الدبلوماسيين وفي علاقاتها مع بعضها البعض . 

وعطفاً على ما جاء أعلاه، ووفقاً لإتفاقية فيينا وللمادة 9 منها تخصيصاً، التي جاء في بدايتها أنه " يجوز للدولة المعتمد لديها ... أن تعلن...."، الأمر الذي يتبيّن منه أن الدولة المعتمد لديها الشخص غير المرغوب فيه، هي التي تقرر هذا الأمر، وفقاً لما تقدم ذكره، بما لها من سلطان سيادي مطلق على أراضيها، بإعلان الدبلوماسي شخصاً غير مرغوب فيه، " في جميع الأوقات، ودون بيان أسباب قرارها"، كما ورد في المادة 9 حرفياً من إتفاقية فيينا المشار إليه أعلاه

فالمخاطب إذن في نص المادة 9 المذكورة هو الدولة ككيان قانوني دولي، وبالتالي لا يمكن أن يكون المخاطب جهازاً معيناً فيها او من احد أجهزتها، وذلك لتحديد النص صراحةً جهة معينة للمخاطبة هي الدولة، وليس وحدة من وحداتها أو جهازاً من أجهزتها أو فردأ من أفرادها.

أي أن إتفاقية فيينا لا تحدد :

  • هل يصدر القرار عن رئيس الدولة؟
  • أم عن رئيس الحكومة؟
  • أم عن وزير الخارجية والمغتربين.

وإنما ووفقاً لما ورد في النص المخاطب هو الدولة بشخص السلطة الإجرائية فيها. ومن الخصائص القانونية لهذا النص إذن ( المادة 9 ) تبرُز المسألة الإجرائية الناتجة بسبب الإلتزام بين القانون الدولي والقانون الداخلي للدولة، بحيث تثار بشأن ذلك التساؤلات التالية:

من هو صاحب الإختصاص في التقرير. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل هي الدولة (المتمثلة برئيس الجمهورية أو هو مجلس الوزراء) من يجب أن يصدر عنه أن الدبلوماسي أصبح شخصاً غير مرغوبٍ فيه، أم جهازاً آخراً من أجهزتها كوزير الخارجية والمغتربين مثلاً بإعتباره الرئيس الإداري الأعلى في وزارته وحصر نشاط السلك الدبلوماسي خارجياً وداخلياً فيها دون غيره من الوزارات؟؟ .

 ونجد الجواب في نص المادة 9 ذاتها من إتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، والتي جاء فيها حرفياً:

" يجوز للدولة المعتمد لديها، في جميع الأوقات... أن تعلن... ". مما يشير ويحدد بوضوح الى أن هذه الإجازة للتقرير بإعلان أن دبلوماسياً غير مرغوبٍ فيه يعود للدولة ذاتها المتمثلة  بالسلطة الإجرائية، وليس لأحد العاملين فيها، أي أنه يعود للسلطة التنفيذية أمر إصدار قرار إنشائي بالحالة، تختص به دون غيرها، يصبح بعد صدوره إعلانياً يتابع تنفيذه وزير الخارجية والمغتربين، تحت رقابة السلطة الإجرائية، والذي لا تصبح صلاحيته منعقدة بشأنه، إلا بعد صدور القرار المذكور عن السلطة الصالحة لإصداره، وبصورة أدق عن مجلس الوزراء الذي يصدر عنه أمر ذلك، ولصراحة النص ووضوحه، ولأن القرار هو سياسي سيادي وإستنسابي بالمطلق قانوناً في آنٍ معاً، يندرج ضمن مفهوم السياسة العامة للدولة اللبنانية، ويعود حق إصداره قانوناُ لمن حدده الدستور ولا سيما المادة 65 منه، وليس لأحدٍ من أفرادها أو أجهزتها كوزارة الخارجية والمغتربين أو غيرها من الادارات، ونعود لنقول ونؤكد هنا أن سبب ذلك أن هذا التقرير بالموضوع هوكما تقدم أنه من الأمور السيادية الدقيقة والحساسة اللصيقة بكيان الدولة الدستوري والتي يعود أمر تقريرها للدولة لإعتباره عملاٍ سيادياً  مباشراً من أعمال الحكومة Actes de gouvernementكما إستقر عليه الإجتهاد الفرنسي واللبناني معاً، حيث جاء في هذا الصدد:

" ...-وبما أن الأعمال الحكومية هي الأعمال التي تتناول علاقات السلطة التنفيذية بالسلطة التشريعية، أو علاقات أعضاء السلطة التنفيذية في ما بينهم، أو علاقات الدولة مع االدول الأخرى أو مع  اشخاص القانون الدولي العام الآخرين

بما أن اعمال الحماية الدبلوماسية ليست منفصلة عن علاقة الدولة بالدولة....

وبما أن العمل المشكو منه يشكّل عملاً حكومياً لا يخضع بالتالي لرقابة لقضاء ".

( قرار مجلس شورى الدولة رقم 290 تاريخ 12/2/1998)

وهذا الأمر يوجب علينا هنا، العودة الى القانون الأساسي ونعني به القانون الدستوري الداخلي لكل دولة وهنا في ما يعود لقضيتنا الحاضرة، القانون الدستوري اللبناني، لنجد أن القاعدة العامة في النظام اللبناني أن السياسة الخارجية هي من إختصاص السلطة الإجرائية كما تقدم ذكره ( مجلس الوزراء سنداً للمادة 65 من الدستور)، المعدلة بالقانون الدستوري رقم 18 تاريخ 21/9/1990، التي جاء فيها ما يلي:

" 1-  تناط السلطة الإجرائية بمجلس الوزراء.... ومن الصلاحيات التي يمارسها:

وضع السياسة العامة للدولة في جميع الحالات ووضع مشاريع القوانين والمراسيم التنظيمية وإتخاذ القرارات لتطبيقها.

2- السهر على تنفيذ القوانين والأنظمة، والإشراف على أعمال كل أجهزة الدولة من ادارات ومؤسسات مدنية وعسكرية وأمنية بلا إستثناء....."

يتبيّن من ظاهر النص الدستوري وباطنه على السواء، أن من يملك حق إعلان الدبلوماسي شخصاً غير مرغوبٍ فيه هو السلطة الإجرائية،أي مجلس الوزراء بقرار يصدر عنه إستناداً الى المادة 65 من الدستور، على أن يقوم بالطبع بعد ذلك وزير الخارجية والمغتربين وعندها، من حقه ذلك، متابعة تنفيذ  مفاعيل هذا القرار، إستناداً الى صلاحيته الدستورية والإدارية في هذا الموضوع لأن نشاط وزارته يندرج ضمن المهام المناطة به، بإعتبار أن المادة 66 من الدستور جاء فيها ما يلي:

"..... يتولى الوزراء إدارةمصالح الدولة ويناط بهم تطبيق الأنظمة والقوانين، كلٌ بما يتعلق بالأمور العائدة الى إدارته وبما خصّ به ".

وبما أنه وعطفاً على المادة 66 السابق ذكرها يتبين أن الوزير المختص يدير مصلحة الدولة ولا يقرر في موضوع يعود أمر إتخاذه الى السلطة الإجرائية وفقاً لصراحة النص ووضوحه، ومن حقه بعد ذلك وعند صدور القرار عن الجهة المختصة قانوناً وكما أسلفنا، أن يتابع تنفيذه وفق ما تم تقريره من قبل مرجعيته القانونية المحددة نصاً. ولا يمكن هنا تأويل النص أو تفسيره بغير ما ورد فيه لصراحة ووضوح النص القانوني، وإستناداً الى القاعدة المعروفة بأنه لا إجتهاد في معرض النص، ذلكأنه وقبل الميلاد  كان هذا المبدأ معروف باللاتينية بما معناه أن التفسير ينقطع بالوضوح

Interpretariocessat in claris

لأنه وكما أشرنا سابقأ، القرارات السياسية السيادية تندرج في إطار السياسة الخارجية للدولة، والذي يعود أمر تقريرها الى مجلس الوزراء كما تقدم، ويعتبر دور وزير الخارجية فيه ناطقاً بإسم الدولة اللبنانية ومنفذاً لقراراتها، لا مقرراً منفرداً لسياستها العامة او الخارجية، وينحصر دوره تجاه ذلك حينه، أي عند صدور القرار عن الجهة المختصة محدداً في أمورٍ ثلاثة هي:

  • الإتصال.
  • التبليغ.
  • المتابعة بإدارة العلاقات اليومية في ما يعود لأمر تنفيذه بالإضافة الى سائر المواضيع الأخرى العائدة لوزارة الخارجية والمغتربين وفقاً للأصول.

وعملياً كان يمكنه على ضؤ ما تقدم بالنسبة للحالة التي نحن بصددها، تحصين قراره الفردي ب :

  • إقتراحه لمجلس الوزراء بإصدار ما قام به إنفراداً خلافاً للقانون، بإعتبار السفير الإيراني شخصاً غير مرغوبٍ فيه، أو بصورةٍ عامة أي دبلوماسي آخر، عند طلب إعتماده ممثلاً دبلوماسياً لدولةٍ ما في لبنان، أو حتى بعد تقرير إعتماده من الدولة اللبنانية.
  • التعبير السياسي عنه، من خلال إعلام السفارة المعنية بصدور هذا القرار وفقاً لإتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية السارية العمل في لبنان بعد إجازتها من السلطة التشريعية عام 1971، وفق ما تم الإشارة إليه أعلاه.
  • تنفيذ القرار لو صدر ( بتبليغ مضمونه للدبلوماسي المعني) ومتابعة إجراءاته القانونية أصولاً.

وبالنسبة للنقطة الأولى أعلاه، المتعلقة بصلاحية وإمكانية قيام وزير الخارجية والمغتربين، بإقتراح إعتبار الشخص الدبلوماسي غير مرغوب فيه،

وقد أثار البعض مسألة إجازة ذلك بعد قبول اوراق اعتماد الدبلوماسي، ومنهم من رأى أنه يجوز ذلك حتى قبل قبول اوراق إعتماد المبعوث الدبلوماسي.

ومن أجل الخلوص الى ما هو الأصح قانوناً في هذا الصدد، نعود للنص القانوني الحاسم بهذا الشأن، والذي لا يصح الإجتهاد بشأنه، ونعني بذلك المادة 13 من إتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية التي جاء فيها لهذه الجهة:

" يعتبر رئيس البعثة متولياً وظيفته في الدولة المعتمد لديها من تقديم أوراق إعتماده، أو منذ إعلانه لوصوله وتقديم صورة طبق الأصل عن أوراق إعتماده الى وزارة خارجية تلك الدولة، أو أي وزارة أخرى قد يتفق عليها..........."

وبذلك تكون الحصانة الدبلوماسية إذن سارية المفعول لصالح الدبلوماسي المعني، منذ تاريخ علم الدولة المعتمد لديها به.

وهنا لا بد من الإشارة الى ما أثير من قول من أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية طلبت من االسفير الشيباني عدم مغادرة لبنان والبقاء فيه، وهذا الموقف( ولو لم تصرّح به إيران علناً وبيان أسباب تعليماتها تلك) يندرج ضمن إطار لا مشروعية القرار الفردي الذي لم يصدر عن الجهة القانونية المختصة بإصداره لكونها قانوناً تتعامل وتتواصل مع دولة متمثلة برأس السلطة االإجرائية، ونعني به رئيس الجمهورية، ومجلس الوزراء الذي تتعاطى معه وفقاً للأصول، لا مع أحد أفراده الذي لا يعنيها قانوناً أمر قرارته الفردية التي يدير بها وزارته، مما يعني أن الدولة الأجنبية لا تخاطب في علاقاتها الدولية
إلا نظيرتها ( أو صنوها) من الدول الأخرى لا أفرادها. وبمعنى أدق، أنه من مقتضى السيادة أن لا تباشر الدولة علاقاتها الخارجية، إلا مع نظيرتها، بوصفهما صنوين في الشخصية الدولية، دون أن يمتد هذا التخاطب إلى الأفراد، وذلك أنطلاقاً من مفهوم الندّية السياسية في التعامل بين الدول وهو ما يسمى Relation d’égal à égal، نظراً لأنه من مقتضى السيادة في القانون الدولي العام أن الدولة لا تخاطب في علاقاتها الخارجية إلا صنوها كما تم بيانه، بإعتبار أن الدول الأخرى هي أشخاصاً متماثلة في الشخصية القانونية الدولية، ولا يكون الأمر كذلك مع عمالها وموظفيها، أي التواصل المشار اليه يكون مبدئياً بين هذه الدول فقط، دون أن يمتد التخاطب الى إفراد الدولة الأخرى أيضاً. ذلك أن العلاقات الدولية تقوم بطبيعتها بين ذوات سيادية متكافئة، لا بين دولة وأشخاص تابعين لولاية هذه الدولة او تلك. وقد عبّر Léon DUGUITعن ذلك بقوله بما معناه أن الدولة لا تعرف في المجال الدولي إلا دولاً أخرى، ومعنى هذا التأكيد على حصرية المخاطبة بين أشخاص القانون الدولي العام فيما بينهم. كما يذهب  Charles ROUSSEAU  وفي ذات الإتجاه  الى أن الشخص الدولي لا يخاطب إلا شخصاً دولياً مماثلاً له، وهو ما يكرِس مبدأ الصنوية في العلاقات الدولية. كما أن Hans KELSEN يشير في هذا الصدد أيضاً أن النظام القانوني الدولي، إنما ينظِم علاقات بين وحدات قانونية عليا مستقلة وهي صاحبة القرار، لا بين هذه الوحدات وأفراد تابعين لها. ومن ثمّ فإن أي إنحرافٍ عن الأصل، عبر توجيه الخطاب أو ترتيب الآثار القانونية مباشرةً تجاه الأفراد في المجال الدولي، لا يكون إلا إستثناءً محدوداً جداً ومقيداً بنصوص خاصة، دون أن ينال من القاعدة العامة التي تقضي بأن الدولة لا تخاطب إلا بمستواها دون غيرهم ممن لا يتمتعون بذلك.

وخلاصة القول في هذا المجال، أن أي مساس بالمركز الدبلوماسي لممثل دولة أجنبية، ولا سيما أعلان شخص غير مرغوبٍ فيه، إنما يُشكِل عملاً سيادياً بإمتياز، لا يسري أصولاً أو تنعقد فعاليته إلا ضمن الأطر الدستورية النافذة والتي حددتها، في ما يعود الى لبنان المادة 65 من الدستور اللبناني، بما يجعل صدوره عن غير مجلس الوزراء إفتئاتاً على الإختصاص الوظيفي، وعيباً جسيماً يجرّد التصرف أو العمل الصادر من قابليته للإسناد الى الدولة اللبنانية في مفهوم القانون الدولي العام.

وإذ خلت الحالة التي نحن بصددها، من أي قرارٍ صادرٍ عن السلطة الإجرائية المختصة، ومن تبليغٍ رسمي واضح ينهض دليلاً على إرادة الدولة، فإن ما صدر عن وزير الخارجية والمغتربين في هذا الشأن لا يعدو كونه موقفاً إدارياً ملتبساً، يفتقر الى الحد الأدنى من المقوّمات التي تخوّله إنتاج أي أثر دولي مُلزم. وهو ما قد يفسِر، دون أن يبرره قانوناً، لجؤ الدولة الإيرانية إالى إعتماد خطاب سياسي مُرمّز، إكتفت فيه بطلب بقاء ممثلها، في دلالة واضحة صريحة على عدم إعترافها بقيام حالة قانونية  عن الجهة الصالحة قانوناً، تُحتّم الإمتثال.

غير أن هذا الواقع، على ما ينطوي عليه من خللٍ بنيوي، لا ينتقص من القاعدة المستقرة التي كرّستها إتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، ولا سيما في مادتها التاسعة، التي تجيز للدولة المضيفة، في أي وقتٍ كان، ودون بيان الأسباب، إعلان الدبلوماسي شخصاً غير مرغوبٍ فيه، بما يُلزم الدولة المُعتمِدة بسحبه أو إنهاء مهامه، ولكن ضمن الأصول المحددة قانوناً. ولا يجوز تجاوز النص القانوني أو تفسيره خلافاً لمضمونه، بحيث نُنزِل التدبير بأبشع صوره وخلافاً للأصول بحق البعض ممن لا نحب، ونتغافل عن تطبيقه وإعماله في من نحب. وما حصل يقع في خانة عواطفنا ومشاعرنا وتوجهاتنا وعلاقاتنا السياسية  الغائية لا يجوز إعماله في علاقاتنا السياسية والدبلوماسية الشريفة المترّفعة عن الأهواء.

وعليه فإن الإشكالية لا تقوم في أصل الحق إذن، فهو ثابت للدولة لا نزاع فيه، بل في كيفية ممارسته، إذ أن السيادة، في جوهرها، لا تمارس إعتباطاً، بل عبر مؤسساتها الدستورية وبالأشكال التي رسمها القانون. فإذا إختل الشكل، سقطت المشروعية، لا لأن الدولة فقدت حقها، بل لأنها أساءت التعبير عنه فشوّهته وأفسدته. وهنا مكمن الخلل وموضع العيب والإدانة. فالسيادة كما جاء عند Jean BODIN  ليست مجرد امتلاك للسلطة. بل هي قُدرة منظَمة على ممارستها ضمن إطار قانوني يضمن وحدتها وإنتظامها، فإذا تفلتت من ضوابطها الدستورية، إنقلبت من مصدر للمشروعية إلى مِظَنة للإضطراب. ومن ثمّ، فإن الدولة التي تخطىء في التعبير عن إرادتها، لا تفقد حقها، بل تفتقد مشروعية ممارسته. وهكذا لا يكون الخلل في السيادة ذاتها، بل في الكيفية التي أُسيء بها تمثيلها.

فالسيادة لا تقاس بإمتلاك الحق، بل بحسن ممارسته، فإذا إختل الشكل، سقطت المشروعية، لا لأن الحق زال، بل لأن الدولة أخفقت أو أخطأت في التعبير عنه أصولاً.

   ومن البديهي الإشارة هنا الى أن هناك أيضاً دوراً  كبيراً ومهماً في هذه العملية لرئيس الجمهورية اللبنانية في قرارٍ كهذا، ليس معنوياً فقط وإنما قانونياً أيضاً، إنسجاماً  مع صراحة نص المادة 53 من الدستور المعدلة أيضاً بالقانون الدستوري رقم 18 تاريخ 21/9/1990، والتي جاء في البند الأول منها ما يلي:

" 1- يترأس رئيس الجمهورية مجلس الوزراء عندما يشاء دون أن يشارك في التصويت...

7- يعتمد السفراء ويقبل إعتمادهم...".           

وهذا يعني وجوباً أنه حتى مجلس الوزراء عندما يتخذ قراره  بمسألة  إعتبار الدبلوماسي شخصاًغير مرغوبٍ فيه، لا يمكنه أصولاً إلا إستمزاج رأي رئيس الجمهورية في الأمر بداية، من باب اللياقة السياسيةً والإدارية من جهة على الأقل، ومن جهةٍ أخرى تطبيقاً للمادة 53 من الدستور المشار اليها اعلاه، ذلك لأنه من المعلوم أن القواعد الدستورية هي قواعد آمرةRèglesimpérativesلا تتساوى مع القواعد القانونية الوضعية الآمرة الأخرى فقط، وإنما تتقدم عليها. ومن البديهي والطبيعي أن مجلس الوزراء لا يمكنه من حيث المبدأ، إلا أن يكون مثالاً  وقدوة، في المحافظة على القوانين والأنظمة المرعية الإجراء واحترامها، لأن معظم هذه القوانين الصادرة عن السلطة التشريعية، مشاريعها قبل الصدور، هي من إعداده. وعلى الدولة أساساً احترام النصوص القانونية التي وضعتها إستناداً للقاعدة اللاتينية القديمة التي توجب على الدولة إحترام النصوص القانونية التي وضعتها

Paterelegemquam ipse fecisti

 وبما أنه، وحتى تاريخه، لم يصدر أي قرار رسمي عن مجلس الوزراء بشأن أعلان  السفير الإيراني شخصاً غير مرغوبٍ فيه  (P.N.G.)  فلا بد من أنه، في حال صدوره سيكون متضمناً الإشارة الى أنه، وبعد إستمزاج رأي فخامة رئيس الجمهوريةحتى ولو جاءت ضمنية بمعنى مثلاً أنه ( قررت الحكومة....)، لأن السلطة التنفيذية هي من حيث المبدأ تعمل وفقاً للأصول الدستورية النافذة والقوانين والأنظمة المرعية الإجراء، ولا يصح لا عرفاً ولا قانوناً الإطاحة بأحكام البند رقم/7/ من المادة 53 من الدستور ومخالفته في أمر يعود له تخصيصاً ووفقاً للدستور. وبالتالي فإن مجلس الوزراء واجبه الأول إحترام النص. بعبارةٍ أخرى يمكنه القول مثلاً أنه وفي إطار التنسيق مع فخامة رئيس الجمهورية، وإحتراماً لمقتضيات المادة 53 من الدستور، يقرر مجلس الوزراء........ وهو أمر يعود لمجلس الوزراء أساساً أمر تقريره بالصيغة التي يراها مناسبة في حال إصداره قراراً بذلك يتّسم بصفة النفاذ القانوني. ولكن هذا الأمر لم يحصل حتى تاريخه الأمر الذي يشير الى أن قرار وزير الخارجية والمغتربين الذي تم الإعلان عنه وتداولته كافة وسائل الإعلام والتواصل هو خارج نطاق المشروعية ومخالفاً للدستور، كما جاء على لسان بعض المختصين وبعض اساتذة علم العلاقات الدولية والقانون الذي نجلّ ونحترم لموضوعيتهم، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر ما يأتي:

  • " .... إن صلاحية إتخاذ قرار بطرد السفير أو إعلان دبلوماسي أجنبي شخصاً غير مرغوبٍ فيه تندرج ضمن السياسة الخارجية التي أناطها الدستور اللبناني بمجلس الوزراء مجتمعاً، ما يجعل أي إجراء منفرد يفتقر الى الغطاء الدستوري الكامل.

وعليه لا يملك وزير الخارجية سلطة منفردة لإتخاذ قرار بمثل هذا الحجم، فدوره تنفيذي لما يقرره مجلس الوزراء ..... التشاور مع رئيسي الجمهورية والحكومة لا يمنح القرار شرعيته الدستورية. فالمادة 53 من الدستور لا تعطي الرئيسين سلطة الحلول مكان مجلس الوزراء في قرار بهذا الحجم"

( الدكتورة ليلى نقولا، استاذة العلاقات الدولية في الجامعةاللبنانية، في مقالتها بعنوان طرد السفير الإيراني من لبنان... ماذا يقول القانون، منشورات قناة الميادين تاريخ 25 آذار 2026)

كما أن استاذ القانون الدستوري في جامعة القديس يوسف( U.S.J.) الدكتور وسام اللحام ذهب في الإتجاه عينه من أنه ومهما كانت الأوضاع فإن التدبير المتخذ من قبل وزير الخارجية والمغتربين بحق السفير الإيراني يتعارض مع الأصول القانونية وأنه:

"... لا يمكن أن يكون قراراً أحادياً تتخذه وزارة الخارجية بل إن ذلك يتطلب موافقة كلٍ من رئيسي الجمهورية والحكومة وعرض الأمر على موافقة مجلس الوزراء. وبما أن هكذا تفاصيل تغيب عن النظام القانوني اللبناني تُمكّن وزير الخارجية من إتخاذ مثل تلك خطوة كون وزارته هي إدارياً من ينظم علاقة السفراء الأجانب بالدولة اللبنانية. فمن الناحية الإدارية، أي خطوة تختص بالعلاقات الدبلوماسية ستمر حتماً بوزارة الخارجية، لكن القرار السياسي بطرد سفير مثلاً لا يمكن أن تنفرد به تلك الوزارة........"

( الدكتور وسام اللحام في مقالة له بعنوان: إشكاليات دستورية في طرد سفير إيران، منشورة في المفكرة القانوية بتاريخ 26/3/2026)

ومن الجدير ذكره، أن الدكتور اللحام في مقالته المشار اليها،  ذكر عدة وقائع حصلت في لبنان تم فيها طرد دبلوماسيين سبق أن حصلت في لبنان وفي ما خصّ إحداها أبدى:

" لكن العودة الى المصادر في تلك الحقبة تظهر أن القرار إتخذه مجلس الوزراء في 18 نيسان 1994 وقد نص هذا القرار حرفياً على التالي:

" قررت الحكومة اللبنانية قطع العلاقات الدبلوماسية مع الدولة المعتدية، وتكليف وزارة الخارجية الطلب الى القائم بالأعمال وموظفي السفارة مغادرة البلاد خلال 72، وتأكيد تسليم السلطات القضائية اللبنانية كل الأشخاص المطلوبين في هذه الجريمة"

ويضيف الدكتور اللحام على ما صدر  في حينه عن الحكومة اللبنانية بما يلي:

" وهكذا يصبح جلياً أن وزارة الخارجية لم تنفرد بإتخاذ هكذا قرار وهي تصرفت إنطلاقاً من قرار الحكومة التي كلّفتها بإتخاذ الإجراءات اللازمة ..... ولا شك أن هذا الأمر منطقي إذ لا يعقل أن ينفرد وزير الخارجية بقرار بهذا الحجم من الأهمية كونه يرتبط بسياسة الدولة الخارجية وعلاقاتها الدولية وهذه صلاحية تدخل من ضمن صلاحيات رئيس الجمهورية بالإتفاق مع رئيس الحكومة وبعد موافقة مجلس الوزراء ".

واللافت هنا مسألة دقيقة يتعيّن الإشارة إليها، وهي أن وزارة الخارجية والمغتربين فعلياً:

*-   وفقاً للإعلان الصادر عنها والمتعلق بقضية السفير الإيراني، لم تُشِر في أي تعبير صادر عنها متعلق بهذا الموضوع، وخلافاً لما أُشيع، عن إعلان طردها للسفير الإيراني لإلتزامها أساساً بالأصول والأعراف الدبلوماسية المتعارف عليها من جهة، ووفقاً لما أجازته لها النصوص القانونية النافذة في هذا الصدد، والتزامها على وجه الخصوص بما نصّت عليه المادة 9 من إتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية من جهةٍ أخرى، وهو حق قانوني أجاز لها القانون إمكانية إتخاذه، بصرف النظر عن مدى تناسبه مع الواقع العملي من عدمه، فيكون كل كلام أو قول أو إدعاء- في حينه - عن أن وزارة الخارجية والمغتربين قررت طرد السفير الإيراني يتعارض مع الحقيقة والواقع والقانون ومجافٍ للتدرج التصاعدي في العلاقات الديبلوماسية، إذ أن الطرد يأتي في نهاية المراحل التي تأتي بإدوارٍ متدرجة تصاعدياً هي أقلّه:

1- مرحلة التنبيه الدبلوماسي ( الإحتجاج الهادىْ) والذي قد يحصل شفاهةً Note verbaleكإستدعاء الدبلوماسي للتشاور او التوضيح، وهذه المرحلة تحافظ على كامل العلاقة مع البعثة الدبلوماسية المعنية.

2- مرحلة التحفظ او الانزعاج الدبلوماسي: بإبداء ملاحظات أو تفسيرات أو تنبيهات هادئة. أو تسجيل إمتعاض دون تصعيد علني ( أي بدأ توتر دون إجراءات رسمية)

3- مرحلة اللوم العلني:  وتتمثل ببيان رسمي ينتقد سلوك الدولة الأخرى، وأحياناً عبر وزارة الخارجية، وهذه المرحلة تدخل الرأي العام في المعادلة، وترفع مستوى الضغط السياسي.

  1. مرحلة الإجراءات الديبلوماسية المحدودة:

كإستدعاء السفير للتشاور Recall for consultations، او خفض مستوى التمثيل ( من سفير الى قائم بالأعمال مثلاً) في هذه الحالة لم تصل الى حالة قطع العلاقات. أما حالة الطرد فهي حالة سياسية لم تنص عليها اتفاقية فيينا،  وإعمالها معلق على إجراءٍ لاحق يمكن الأخذ به عند عدم  قبول الدولة الموفدة بسحب سفيرها عند إعلامها بالتدبير، أو رفضها لذلك مما ينتج عنه أنه بعد الفترة المحددة له للمغادرة تزول عنه صفة الحصانة الدبلوماسية، ويصبح بالإمكان حينها عندما يكون على ارضٍ لبنانية معرضاً للإبعاد او الطرد لزوال الحصانة الدبلوماسية عنه, وهذه المرحلة لم تكن كذلك عند إعلان وزارة الخارجيةوالمغتربين للتدبير بحق السفير شيباني ولم تكن موجودة قانوناً. الأمر الذي يجعل من التعليقات المسبقة الواردة في حينه بعيدة عن القانونية والواقع والحقيقة، لأن هناك مراحل مع البلد الموفد تتمثل في ما يأتي بعد المرحلة الرابعة من مراحل التدرج المشار اليها من هذه التدابير وتأتي تباعاً:

  1.  مرحلة تعليق العلاقات الدبلوماسية: وتعني إبقاء الإعتراف بالدولة مع وقف التمثيل الدبلوماسي ومن خصائصه أن هذا التدبير هو قطيعة عملية دون قطيعة قانونية كاملة.
  2. مرحلة قطع العلاقات الدبلوماسية: وتعني إغلاق السفارات، وإنهاء التمثيل الدبلوماسي الرسمي، وهو أقصى درجات التصعيد في سلم التدرج السلبي للعلاقات الدبلوماسية.

ينتج مما تبين لنا أعلاه أن المرحلة التي أعلنتها وزارة الخارجية والمغتربين بحق السفير شيباني هي مرحلة بين المرحلتين، هي ليست طرد، وإنما مقدمة له( في حال لم تقم الدولة الموفدة (إيران) بسحبه ( وقف للطرد معلّق أصولاً وكما تقدم على شرط عدم بقائه في لبنان بعد المهلة المحددة له للمغادرة) ذلك :

*- ان التعليقات التي صدرت في بيان الوزارة المذكورة لم تأتِ في أي كلمةٍ منها على عبارة الطرد، وإنما على إعتبار السفير شيباني غير مرغوبٍ فيه، الأمر الذي يجعل من هذا البيان منطبقاً على حقها القانوني، سواءً أكان فعل السفير الإيراني يستأهل هذا التدبير أم لا، بإعتبار أن تقدير الفعل لصدور التدبير هو استنسابي للدولة كما تم بيانه سنداً للأسباب الواردة أعلاه لإرتباطه الوثيق بسيادية الدولة على أراضيها.

*- وتأسيساً على أن الدولة بشخص مجلس الوزراء هي المعنية بإصدار قرار إعتبار السفير الإيراني شخصاً غير مرغوب فيه سنداً للمادة 65 من الدستور وما إستقر عليه الفقه والإجتهاد من أن هذا التدبير يدخل في نطاق الأعمال الحكوميةActes de Gouvernement الإعتبار بأن:

" حالة قبول اوراق او اعتماد سفراء، فإن هذه الصلاحية تعود الى رئيس الجمهورية، بوصفه رئيس الدولة( الفقرة 7 من المادة 53 المعدلة) وذلك تطبيقاً لتقليد دولي عريق بقدمه متبع في كل النظم الديمقراطية يعطيه صلاحية قبول اوراق اعتماد السفراء والوزراء المفوضين المبعوثين من دولهم لتولي مهامهم بهذه الصفة... في لبنان. كما أن على السفراء والوزراء المفوضين عن لبنان لدى الدول الأجنبية، أن يتقدموا بأوراق إعتمادهم من رؤساء الدول التي يُعتمدون فيها، بإسم رئيس الجمهورية. في حين أن التقليد قد إستقر، في حالة القناصل، أن يتقبل وزير الخارجية أوراق إعتمادهم ويمنحهم الإجازة ( المسماة في القانون الدولي بال Exequatur ) للعمل في لبنان، كما هي القاعدة بما يتعلق بقناصل لبنان لدى الدول الأجنبية "

( الدكتور زهير شكر في مؤلفه: الوسيط في القانون الدستوري اللبناني، منشورات دار بلال للطباعة والنشر، 2001، ص.631) 

وبالتالي لا يجوز، ومن الخطأ، إستخدام تعابير غير صحيحة كعبارة الطرد، لإسباغ الخبر بسبق إعلامي مضخم او غير صحيح او مبالغ فيه،  يرتكز على التضخيم وعدم الصحة من أجل لفت نظر الجمهور بتعابير لا تتفق والحقيقة والواقع القانوني الصحيح، او بسبب تأييدهم أو معارضتهم للسياسة الإيرانية في لبنان او غيرها، مما يدعونا بعد أن بيّنا آنفاً النظرة العامة للمسألة، وبعد أن توصّلنا الى النتيجة المتفقة مع أحكام المادة 65 من الدستور، التأكيد بأن القرار بإعتبار الدبلوماسي شخصاً غير مرغوبٍ فيه وفقاً لما نصّت عليه المادة 9 المذكورة يجب أصولاً أن يصدر عن الدولة ( السلطة الإجرائية)  أي مجلس الوزراء. خاصةً أنه وسنداً للمادة 65 من الدستور يتعلق موضوع السياسة العامة الخارجية بمجلس الوزراء تحديداً, الأمر الذي يلزمنا بالبحث القانوني في التدبير الحاصل، المتخذ من قبل وزير الخارجية والمغتربين،  بحق السفير الإيراني حسب ما جاء أعلاه، وبيان أسباب عدم صحته قانوناً.

الثالثة: عدم قانونية إعلان وزير الخارجية والمغتربين، إعتبار السفير الإيراني شخصاً غير مرغوبٍ فيه، لأن قراره صادر عن شخص غير الذي حدده الدستور، إستناداً لما تقدم، وعطفاً على ما سيلي :

بما أن الأصول العلمية والقانونية في البحث العلمي  توجب بحث الموضوع المطروح ليس من منطلق شخصي او فردي، وإنما وفقاً للقوانين والأنظمة المرعية الإجراء. أي أن يعتمد في التعليق على المصدر الأساسي الصادر عنه الخبر، لا الركون الى ما تم عليه من تعليقات غير رسمية قد تعيب صحته وصدقيته ورأي قائله. مما يحتم علينا الرجوع الى ما صدر عن وزارة الخارجية والمغتربين تحديداً بصدد إعلان السفير الإيراني في لبنان السيد محمد  رضا شيباني شخصاً غير مرغوبٍ فيه.

ومن العودة الى الموقع الألكتروني للوزارة المذكورة-  المركز الإعلامي لديها-، نجد أنه ورد فيه بتاريخ 24/ 3/ 2026، الخبر التالي:

" إستدعت وزارة الخارجية والمغتربين القائم بالأعمال الإيراني في لبنان توفيق صمدي حوشخو، وقابله الأمين العام السفير عبد الستار عيسى، وأبلغه قرار الدولة اللبنانيةسحب الموافقة على إعتماد السفير الإيراني المعيّن محمد رضا شيباني وإعلانه شخصاً غير مرغوبٍ فيه مع مطالبته بمغادرة الأراضي اللبنانية في موعدٍ أقصاه الأحد المقبل الواقع في التاسع والعشرين من آذار 2026.

وفي السياق ذاته إستدعت وزارة الخارجية سفير لبنان في إيران احمد سويدان للتشاور وذلك على خلفية ما وصفته الدولة اللبنانية بإنتهاك طهران لأعراف التعامل الدبلوماسي وأصوله المرعية بين البلدين ".

وورد الخبر ذاته في نشرة الوكالة الوطنية للإعلام بتاريخ 30/3/2026. الأمر الذي يوجب معه الإنطلاق من هذا الخبر دون غيره، بإعتبار أنه خبر رسمي موثوق صادر عن وزلرة الخارجية والمغتربين، وعليه يمكن بحث الأمر دون باقي ما ورد من أخبار من جهاتٍ أخرى لصدق المقال.

من العودة الى ما ورد في الخبر ووفق ما صدر عن وزارة الخارجية والمغتربين، وبصرف النظر عن أي إعتبار، يتبين من حيث المبدأ، حق وزارة الخارجية والمغتربين قانوناً، الإعلان عن ما صدر عنها من جهة، لأنها هي المعنية من حيث المبدأ، في تنفيذ أي قرار مماثل في هذا الشأن نظراً لأن العاملين في النطاق الدبلوماسي أجانب ووطنيين هو من ضمن نشاطها العملي. ولكن من جهةٍ أخرى، يثار هنا مسألة السند القانوني للتدبير. هل هو مسند الى صلاحيتها الإستنسابية لصدوره مباشرةً عنها بقرارٍ منفردٍ، وبذلك تكون قد خالفت القانون، ولهذا قلنا مبدئياً.  أم هو معلن من قبلها فقط  تنفيذاً لقرارٍ بهذا الشأن صادر عن المرجع القانوني الصالح لإصداره وفقاً للأصول القانونية، ونعني به مجلس الوزراء الذي يعود إليه أمر إتخاذه لأنه يدخل ضمن الصلاحيات المناطة به سنداً للمادة 65 من الدستور كما ثبت لنا آنفاً؟ وبالتالي وعلى ضؤ ما ورد أعلاه يكون واضحاً بصراحة النص ووضوحه سريان الحصانة بوجه الدبلوماسي الذي يتعرض لمسألة إعتباره شخصاً غير مرغوب فيه

وعلى أساس ما تقدم، ينقسم الخبر إلى صحته من جهة، وقانونيته من جهةٍ أخرى :

*- من حيث صحته: هو خبر غير صحيح حسب ما ورد، لأنه ذكر فيه أن وزارة الخارجية والمغتربين إستدعت القائم بالأعمال الإيراني في لبنان وقابله السفير عبد الستار عيسى وأبلغه: " قرار الدولة اللبنانية  سحب الموافقة على إعتماد السفير الإيراني...... وإعلانه شخصاً غير مرغوبٍ فيه...."

هذا الخبر يشير عن صدور، وحرفياً " قرار للدولة اللبنانية". " لم  يبينّ  لا رقمه ولا تاريخه، أو قرار عن وزير الخارجية والمغتربين بذلك

وبما أنه في أحسن الحالات يتعيّن الإشارة الى أن للدولة المضيفة ( وهنا الدولة اللبنانية) ووفقاً للمادة 9 من إتفاقية فيينا أن تعلن الدبلوماسي شخصاً غير مرغوبٍ فيه، دون إشتراط شكل معيّن، أي بالنتيجة يمكن أن يكون الإبلاغ شفهياً من حيث المبدأ، بشرط جوهري واحد هو أن يكون هذا الإبلاغ :

  • صادراً عن من يظهر أنه يمثل الدولة
  •  ان يكون واضحاً وغير ملتبس

وبما أن وزارة الخارجية والمغتربين عادةً هي ظاهراً يمكن إعتبارها تمثل الدولة،

وبما أن قرارها واضحاً لهذه الجهة بإعلان السفير الإيراني السيد الشيباني شخصاً غير مرغوب في لبنان كما ورد صراحةً في الخبر، فيكون إذن من حيث المبدأ الدولي أن الشكل الشفهي للتبليغ ليس باطلاً بحد ذاته، إنما صحته لا تتسم بالقانونية المفترض وجودها، وهي ليست كذلك،

*- من حيث قانونيته:  من العودة الى الدستور اللبناني ولا سيما المادة 65 منه، يتبيّن لنا مكمن الإشكال الحقيقي الذي يظهر لنا من خلاله عدم قانونية التدبير المتخذ المشار اليه من قبل وزارة الخارجية والمغتربين، لأن المادة المذكورة تنيط السلطة الإجرائية بمجلس الوزراء مجتمعاً لإصدار مثل هكذا قرار، على ان تتابع هي أمر تنفيذه بعد صدوره وليس قبل ذلك.

وبما أن إعلان دبلوماسي غير مرغوبٍ فيه هو عمل سيادي خطير وكبير،  ذو أثر دولي مباشر نظراً لأنه يمّس علاقة بين دولتين وبالتالي يدخل في صميم السياسة الخارجية للدولة، مما يجعل من قرار وتصرف وزير الخارجية والمغتربين منفرداً غير كافٍ أو وافٍ لهذا الإعلان لإعتباره عملاً قانونياً سلسماً، بل لا يمكن نسبته الى الدولة اللبنانية ككل قانوناً، لعدم صدوره عن سلطتها الإجرائية وفقاً لما فرضه القانون، مما ينتج عنه، إنعدام الأثر القانوني الدولي بل والمحلي له، لأنه لا ينشىء إلتزاماً على الدولة الموفدة، ولا يفرض سجب الدبلوماسي الذي لم يثبت قانوناً أن السلطة المختصة في الدولة اللبنانية أصدرت بالفعل القرار الذي يعطيه صفة النفاذ لمشروعيته، وبالتالي لا قيمة قانونية للقرار الشفهي الصادر عن وزارة الخارجية والمغتربين، لتحتّم صدور هذا القرار عن السلطة الاجرائية، لأن صدوره بالشكل الذي صدر فيه يتّسم بعيب عدم الإختصاص.

 وحتى لو تجاوزنا فرضاً مسألة الإختصاص ، فإن القرار الشفهي يكون مفتقراً الى مسألة التوثيق لإفتقاره الى وضوح الإسناد الى الدولة،مما يفتح باب الإلتباس الذي يفقده أمر وجوده فعلاً وقانوناً بإعتبار أن العمل الدبلوماسي المعتمد هو على الأقل، صدور مذكرة رسمية او تبليغ مكتوب واضح يمكن أن يبنى عليه، بإعتبار ان القرار الشفهي يضعف كثيراً من حجيته الدولية  ولا يفترض ساعتئذٍ أن ينفرد وزير الخارجية والمغتربين بقرار سيادي بهذا المستوى قبل تقريره من مرجعه القانوني( قرار يصدر عن مجلس الوزراء)،

وفي حال عدم تطبيق النص القانوني وفقاً لمندرجاته  يكون قرار وزير الخارجية والمغتربين عند ذلك إعلاناً غير مكتملة أركانه القانونية لجهة إعتبار الدبلوماسي شخصاً غير مرغوبٍ فيه، ويكون إعلانه هذا والحاصل فعلاً من الوجهة القانونية موقفاً سياسياً ذو طابع دبلوماسي ضاغط لا أكثر لكونه مفتقراً الى أساسه القانوني كما قرره الإجتهاد:

" يتحقق فقدان القرار للأساس القانوني عندما تأتي أسبابه الواقعية غير كافية أو واضحة لإسناد الحل القانوني المقرر فيه "

( محكمة التمييز المدنية- الغرفة الرابعة – بقرارها رقم 55 تاريخ 18/10/2023 )

ففقدان الأساس القانوني للقرار الاداري، هو عيب جوهري يلحق بالقرار فيعيبه، ويتحقق عند خلوه من العناصر الواقعية او القانونية التي تبرر إتخاذه قانوناً، ويؤدي هذا العيب الى الغاء القرار بالطعن فيه إبطالاً، لمخالفته لمبدأ المشروعية  Principe  de la légalitéوفقاً لما سيلي تفصيله لاحقاً.

ومن المعلوم فقهاً وإجتهاداً، ومن حيث المبدأ فقط ( والأمر غير ذلك أصلاً) أن التفويض للحق الدستوري أو الصلاحيات الدستورية يمكن من حيث المبدأ نفاذه في بعض المسائل، ولكن جزئياً وبشروط صارمة ، وعلى أن يستند التفويض الى نص دستوري أو قانوني صريح يجيزه، وأن يكون محدداً ومكتوباً ومؤقتاً، ولا يجوز التفويض المطلق الذي يعني التخلي عن الإختصاص للسلطة ذات الصلة. وقد جاء في هذا الإطار:

"... وقي مطلق الأحوال، وعلى فرض أن قرار مجلس الوزراء قد تضمن تفويضاً لوزير.... لإتخاذ قرارات .... فإن مثل هكذا قرار يعتبر باطلاً ومخالفاً للدستور لعدم إستناده الى نص دستوري او قانوني يجيزه...

P.DELVOLVÉ: L’acte Administratif, in collection. Droit public- Sirey 1983,p.p.146=147, …

A- conditions des délégations de compétence :

N~O 319… Les délégations ne sont régulières que si elles sont prévues par un texte , qui peut être Constitutionnel… législatif….. ou réglementaire.

( قرار مجلس شورى الدولة رقم 76 تاريخ 21/11/2003)

وبما أنه لم يتبين في ما تم حصوله بهذا الشأن أي تفويض بهذا الموضوع لوزير الخارجية والمغتربين، خاصةً وأن التفويض بالصلاحية يتعيّن قانوناً نشره أصولاً الأمر غير الحاصل

 وبما أنه لا يمكن قانوناً للوزير المذكور، أن ينتهج بنفسه قراراً ذاتياً  بمفرده غير مسند ً الى القوانين والأنظمة المرعية الإجراء ليّورِط نفسه بإعتبار أن قراره صادر عن موظف غير مختص، وليوّرِط الدولة اللبنانية بأزمة مع دولة أخرى لم تأتِ الدولة اللبنانية على ذكرها قانونياً، وذلك لتجاهله المبادىء الدستورية الأعلى مرتبةً في الهرمية القانونية، ضارباً بها عرض الحائط لتنفيذ أمر تعود صلاحية إتخاذه لسلطة أخرى، بإعتبار أن القواعد القانونية، ولا سيما الدستورية منها هي قواعد آمرة تسمو عن أية قواعد أدنى منها. الأمر الذي فيما يعود لقرار وزير الخارجية والمغتربين موضوع البحث والحالة هذه يكون كما قرره الإجتهاد:

"... صادراً عن مرجع غير مختص بإصداره، وبالتالي مشوباً بعيب عدم الصلاحية، وهو العيب الذي نصّت عليه المادة 108 من نظام مجلس شورى الدولة على وجوب إبطال الأعمال الإدارية المشوبة به"

( قرار مجلس شورى الدولة رقم 198 تاريخ 21/11/2017)

وبما أن:

" القاعدة العامة هي أنه لا تفويض دون نص قانوني. ولا تفويض إلا لمن يسمح القانون بتفويضه. ولا تفويض إلا في النطاق الذي يسمح به النص القانوني "

( قرار مجلس شورى الدولة رقم 346 تاريخ 13/10/1977)

وبما أن التفويض أساساُ لم يتبين وجوده،

وبما أن حتى إن وجد فهو لا يمكن الإعتداد به كما قلنا لأن الموضوع متعلق بالسيادة Souvraineté  والتي ينفذها وزير الخارجية والمغتربين ولا يملكها منفرداً بمعزلٍ عن السلطة الإجرائية، الذي هو عنصراً من عناصرها وليس قيّماً عليها أو ناطقاً بإسمها.

ذلك ان مفهوم القرار السيادي ولعدم قابليته للتفويض هو مبدأ مستقر في العلم السياسي والقانوني على السواء ومفاعيله تسري بوجه كافة الدول والأشخاص الطبيعيين والمعنويين.  وهو ما استقر عليه الفقه القانوني، وما أجمع عليه غالبية هذا الفقه الذي رسم الطريق القويم لهذا المنطق، ومن أعلامه Jean Jacques ROUSSEAU في كتابه العقد الإجتماعي عندما أورد في هذا الصدد أن:

السيادة لا يمكن أن تفوّض، لنفس السبب الذي يجعلها لا يمكن التنازل عنها، فهي قائمة في الإرادة العامة، والإرادة لا تمثّل

«  La souveraineté ne peut être représentée, pour la même raison qu’elle ne peut être aliénée, elle consiste essentiellement dans la volonté générale »,

( Jean Jacques ROUSSEAUX ,Contat social, Livre II , 1762, Chapitre I )

وإذا كان مبدأ السيادة كما تقدم لا يمكن أن يتمثل في فرد تابع لسلطة متبوعة خوّلها القانون هذه الأمانة، ويكون تصرّف وزير الخارجية والمغتربينعند إصداره قراراً منفرداً، والذي يتوجب قانوناً صدوره عن مجلس الوزراء، متعارضاً مع الدستور المتمثل بالمادة 65 منه كما تم بيانه أعلاه، ومع القواعد التي أرساها الفكر القانوني كما ذهب اليه روسو Rousseau وغيره، والذي لم يقتصر الأمر عليه فقط في تبيان أن السيادة لا يمكن نقلها أو التنازل عنها او تفويضها، حيث نجد أن العلامةRaymond Carré  DE MALBERG  وهو من كبار فقهاء القانون الدستوري الفرنسي، يذهب في ذات المنحى الذي إعتمده روسو أعلاه، حيث أبدى في هذا الأمر أن:

السيادة صفة ملازمة للدولة، لا يمكن التنازل عنها او تفويضها دون تغيير وجود الدولة

«  La souveraineté est inhérente à l’État ; elle ne peut  être ni cédée, ni déléguée sans altérer l’existence même de l’État  « 

وما دامت والحمدلله الدولة ما زالت قائمة وعاملة من خلال مؤسساتها القانونية ولا سيما السلطة الإجرائية فيها والتي يعود لها صلاحية تقرير أن هذا الدبلوماسي أو ذاك غير مرغوبٍ فيه، ويعتبر أي تعدٍ على هذه الصلاحية الحصرية صادر عن موظف غير مختص ومعيوب بعيب عدم الاختصاص الوظيفي والصلاحية والمشروعية ومخالفة القانون لا يمكن الإعتداد به قانوناً، وفقاً لما قرره الإجتهاد أعلاه، ولما سيلي بيانه بالنسبة لحالتنا الحاضرة:

  1. في ما يعود لمخالفة قرار وزير الخارجية والمغتربين الشفهي لركن الاختصاص :

بما أن القرار الإداري يمكن من حيث المبدأ، أن يكون خطياً او شفهياً،

وبما أن المادة 65 من الدستور ، وكما تبين لنا، أناطت بالسلطة الإجرائية المهام الواردة في متنها، ومنها " وضع السياسة العامة للدولة في جميع المجالات..."،

وبما أن السياسة الخارجية مع الدول والبعثات الدبلوماسية والمنظمات الدولية تدخل ضمن هذا النص الدستوري الآمر ، فيكون أي تعدٍ أو إفتئات على هذه الصلاحية والإختصاص يقع تحت خانة العمل الصادر عن موظف غير مختص، وبالتالي معيوباً بما يسمى فقهاً وإجتهاداً بعدم الإختصاص. وقد أكّد الفقه هذا التوجه بقوله:

« IL y a incompétence lorsque la mesure administrative édictée ne rentrait pas dans les attributions de l’autorité qui la prise mais dans celle d’une autre autorité, autrement dit lorsqu’il y a infraction de compétence « 

( André DE LAUBADERE, Traité de droit administratif, L.G.D.J. 1980, p. 568)

وبما أن تقرير ما إذا كان الشخص غير مرغوبٍ فيه يعود لمجلس الوزراء قانوناً، فلا يجوز لأيٍ  كان غيره التقرير فيه، بإعتبار أن مبدأ الإختصاص هو ركن من أركان القرار الإداري الذي لا يجوز فيه أن يقرره سواه، إلا في إطار ما حدده القانون. ذلك أن موضوع الإختصاص هو نتيجة من نتائج مبدأ فصل السلطات الذي كرّسه مونتسكيو في مؤلفه روح القوانين  L’esprit des lois  أو روح الشرائع كما يطلق عليه البعض بالعربية، وذلك لأن هذا المبدأ لا يقتصر وينحصر مداه في تحديد السلطات العامة الثلاث فقط، بل يتعداه الى أكثر من ذلك. بمعنى آخر وأدق، الى توزيع الإختصاصات، والمهام أحياناً، في إطار السلطة الواحدة دائماً، أو من يملك إبرام التصرفات القانونية ونفاذها، حيث حدد الدكتور محمد سليمان الطماوي ركن الإختصاص بأنه:

" القواعد التي تحدد الأشخاص أو الهيئات التي تملك إبرام التصرفات "

( الدكتور محمد سليمان الطماوي، النظرية العامة للقرارات الإدارية، الطبعة السابعة، دار الفكر العربي، القاهرة 2006، ص. 312)

فيكون صدور القرار عن الشخص العام غير المختص كقرار وزير الخارجية والمغتربين، هو في حد ذاته، وبالشكل الصادر فيه، تعدٍ صارخ وخرق لركن الإختصاص المشار إليه، يُخرِجه من حالة المشروعية القانونية الى حالة اللامشروعية، خاصةً لموقع هام كموقع رئاسة السلطة الإجرائية، ونعني به رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء، حيث يعود لرئيس الجمهورية تخصيصاً، سنداً للمادة 53 من الدستور تسمية السفراء وقبول إعتمادهم حيث جاء وبصورة أدق، أن ركن الإختصاص هذا يعني أنه:

" القدرة القانونية على مباشرة عمل إداري معين، جعله المشترع من صلاحية سلطة هيئة أو فرد  والجهة المختصة بإصدار القرار الاداري هي الجهة التي خوّل لها المشترع صلاحية اصدار القرار الاداري دون غيرها، فالمشرّع يقوم بتوزيع الإحتصاصات داخل الأجهزة الادارية مراعياً بذلك المستويات الوظيفية، وطبيعة الإختصاصات "

( الأستاذ نواف كنعان، القانون الاداري، الكتاب الثاني، الطبعة الأولى 2007، دار الثقافة للطباعة والنشر والتوزيع، الأردن، ص.251)

ومن حيث الواقع والقانون، لا يندرج قرار وزير الخارجية والمغتربين في ما حددته النصوص القانونية والفقه والإجتهاد لمبدأ المشروعية المتوجب توفره في القرار المذكور.

 وهنا يجب التمييز بين قاعدتين فيما يعود لصلاحية وزير الخارجية والمغتربين:

" قاعدة الإحتصاص، وقاعدة الأهلية، ومع أن هاتين القاعدتين مناطهما القدرة على مباشرة عمل معين او إبرامه، إلا أن الفرق بينهما أن الأهلية على الصعيد الخاص هي رخصة للفرد على إستعمالها من عدمه، وإمكانية تكليفه أحد آخر غيره بالتصرف نيابةً عنه. بينما في القانون الاداري لا تملك الادارة ، بل لا يجوز لها كأصل عام، أو من حيث المبدأ، نقل الإختصاص الى جهةٍ أخرى، إلا فيما خوّله إياها الدستور أو القوانين أو النصوص التشريعية أو التنظيمية صراحةً كهذه السلطة بإعتبار أنها مقررة للمصلحة العامة"

( للتوسع يرجى العودة الى الدكتور محمد سليمان الطماوي، المرجع السابق، ص.313)

وبما أن وضع وزير الخارجية والمغتربين هنا يتجسد وينحصر  في القاعدة الأولى دون الثانية، أي قاعدة الإختصاص (Compétence) والتي تحدد من يملك قانوناً سلطة إصدار القرار الإداري، وفي أي نطاق زمني ومكاني وموضوعي وشخصي،

وبما أن وزير الخارجية والمغتربين بتدبيره غير المسند قانوناً يكون قد خرق وخالف الإختصاص الموضوعي المتمثل بالمادة 65 و53 من الدستور،

وبما أن هذا الخرق هو من الإنتظام العام الذي لا يجوز مخالفته، ,وعلى القاضي أصلاً إثارته عفواً،

وبما أن عيب عدم الإختصاص يمّس وجود القرار الاداري ذاته، لصدوره عن جهةٍ لا تملك حق إصداره أصلاً، فيغدو معدوماً، الأمر الذي يوجب مناقشة مخالفة القرار موضوع البحث للعنصر الموضوعي لركن الإختصاص تفصيلاً، وللعنصر الشخصي فيه.

  1. في مخالفة قرار وزير الخارجية والمغتربين لعنصر الإختصاص الموضوعي:

 بما أن الإختصاص الموضوعي هو ركن أساسي من أركان القرار الإداري،

وبما أن مخالفة القانون أساساً أمر غير مألوف في الدولة القانونية بل ومستهجن،

وبما أن الفقه الإداري يعتبر البوصلة الموصلة لصحة وسلامة العمل الإداري، حيث أبدى في هذا المجال أنه:

" الإختصاص في مجال القرارات الإدارية هو سلطة إصدارها، أي أن تكون السلطة الادارية التي إتخذته مختصة للقيام بذلك. القاعدة في تحديد الإختصاص أنه من عمل المشترع الذي يحدد إختصاص الموظف او الهيئة الادارية. تتعلق قواعد الإختصاص بالنظام العام بحيث لا يجوز لأي جهة إدارية التنازل عن إختصاصها لإدارة أخرى إلا بناءً على تفويضٍ سليم قانوناً........

يقصد بالإختصاص الموضوعي، أن يتصرف رجل الإدارة في حدود إختصاصه للتقرير بشأن الموضوعات المحددة له بموجب القانون، بحيث يمتنع عليه إتخاذ القرار عندما ينيط القانون صلاحية التقرير العائدة لسلطة أخرى. فالعمل الاداري لا يعتبر صحيحاً من الناحية القانونية ما لم يحترم قواعد الإختصاص، إذ لا يحق للسلطة الادارية إصدار عمل إلا ضمن الميدان او الحقل القانوني المحدد لها من قبل المشرع، وإلا أضحى عرضةً للإبطال لصدوره عن سلطة غير صالحة...."

( الدكتور عصام نعمة إسماعيل، محاضرات في مقرر القانون الاداري العام للعام الجامعي 2021- 2022، الجامعة اللبنانية، ص.168)     

وبما أنه عندما يحدد المشترع من هم المخوّلون قانوناً لممارسة إختصاص معين بإصدار قرار اداري، فإنه بذلك يحدد لكلٍ منهم المدى الذي له الحق فيه بالتطرق إليه، وبالتالي يجب أن يقتصر نشاط صاحب الإختصاص على ما حدده له النص القانوني الذي أعطاه صلاحية هذ الإصدار، وضمن الإطار القانوني الذي يعتبر فيما عداه تجاوزاً عن ما أجازته له القوانين والأنظمة المرعية الإجراء، بمعنى أن التقرير في أي أمر خارج حدود إختصاصه يكون باطلاً وعرضة للطعن، ذلك أن مسألة الإختصاص هي من الأركان الهامة للقرار الإداري لأنها تحدد التصرفات او بالأحرى الأعمال القانونية التي تجيز او تحدد للشخص المدى القانوني لنشاطه القانوني

“…. Un acte administratif ne peut pas être indifférement édicté par  n’importe quelle autorité administrative : il ne peut l’étre valablement que par celle de cette autorité qui est qualifiée à cette fin par le droit, cette aptitude légale constitue la compétence.

Les règles de compétence s’imposent à l’administration d’une manière particulièrement stricte ; cette rigueur se manifeste à  plusieurs égards.

  1. Les infractions aux règles des compétences constituent  des illégalités d’ordre public, quoi on  leverra, peuvent être soulevées à l’occasion d’une action contentieuse, à tout moment et même d’office par le juge.

2 – Les règles concernant la compétence sont interprétées et appliquées très strictement «

( André de Laubadére, op. cit. p. 301 )

3 – في مخالفة قرار وزير الخارجية والمغتربين لعنصر الإختصاص الشخصي:

بما أنه من المعلوم فقهاً وإجتهاداً أن العنصر الشخصي لعدم الإختصاص في القرار الإداري هو صدور القرار الإداري عن موظف أو هيئة عير مؤهلة قانوناً لإتخاذه، مخالفاً مبدأ " شخصية الإختصاص" الذي يوجب علىى صاحب السلطة المحددة قانوناً ممارسة إختصاصه بنفسه دون تفويض أو إنابة غير قانونية

وبما أنه من الثابت أعلاه أن صدور ابلاغ اعلان السفير الإيراني، وبالشكل الذي حصل فيه يطيح بكافة النصوص القانونية الدستورية والوضعية والأنظمة الإدارية المرعية الإجراء، والتي يتبين منها مخالفة التدبير المشار إليه لكافة تلك النصوص، وهو ما أكّده الإجتهاد الإداري بقوله في هذا الشأن:

"... وبما أن العمل المتعلق بعلاقات ىالمجلس النيابي مع الحكومة مثل العمل المتعلق بعلاقات الحكومة مع الدول الأجنبية تُظهر وجود " السلطة الحكومية " السلطة الدستورية" وليس " السلطة الإدارية"

وبما أن العمل الباطل Caduc  يعتبر كأنه لم يكن وليس له في أي وقتٍ سابق أي مفعول، بمعنى أن البطلان Caducitéيجب ان يفهم منها كمساوٍ لأسترداد العمل، أي أنه سيؤدي الى إنعدام الأثر الرجعي للعمل الإداري موضوع البحث".

( فرار مجلس شورى الدولة رقم 70 تاريخ 3/11/1997)

ينتج عن ما ورد أعلاه أن التدبير المتخذ من قبل وزير الخارجية والمغتربين معيوب بمخالفة العنصر الشخصي لركن الإختصاص، بالإضافة الى مخالفته لعنصر الإختصاص الموضوعي الذي تم بيانه أعلاه، ناهيك عن المخالفات الأخرى المنوّه عنها إضافةً الى ما سيلي بيانه، مما يجعله بمثابة العمل غير الموجود أي لا مفاعيل قانونية له، وهو ربما ما دفع إيران الى الطلب من سفيرها الى لبنان الشيباني عدم مغادرته لحين صدور عمل حكومي يحدد وضعية قبول او عدم قبول اعتماده في لبنان بإعتبار أن كل ما حصل بهذا الشأن هو حدث لم يصدر عن السلطة الإجرائية اللبنانية قانوناً، فيكون بمثابة القرار المنعدم وغير الموجود بالنسبة إليها، ويبنى على الشيء مقتضاه عندما يصدر عن الدولة اللبنانية موقف تجاه الموضوع وفقأ للقانون. ذلك أن التقرير في موضوع سيادي مع دولة أجنبية يخرج عن الإختصاص الشخصي والموضوعي لوزير الخارجية والمغتربين لأنه يدخل في إختصاص مجلس الوزراء، وبالتالي يكون قراره منعدماً قانوناً ولا يمكن الأخذ به إلا بعد صدور قرار صادر عن سلطة صالحة قانوناً، يعطي القرار الجديد أثره المنتج الذي يستطيع عندها وزير الخارجية والمغتربين متابعة تنفيذه أصولاً لعد الاختصاص ولعدم الصلاحية:

“ ... وبما أن القرار او الحكم عديم الوجود هو الصادر بشكل واضح نتيجة إغتصاب السلطة والمشوب بعيب عدم الإختصاص المطلق، بخروج سلطة دستورية عن إختصاصها وتعديها على سلطة دستورية أخرى

وبما أن صلاحية اصدار القرار إدارياً كان أم تأديبياً تنجم عن نص صريح يجيزها ويحدد المرجع الذي يتولاها بحيث يكون وجوب توقيعه على هذا القرار إنعكاساً لهذه الصلاحية...”

( مجلس شورى الدولة- قرار مجلس القضايا- رقم 451 تاريخ 28/4/2022)

وبما أنه بالنسبة لأحكام مجلس شورى الدولة فهي ملزمة للإدارة، والتي لا تستطيع القول بغير ذلك عندما يكون الأمر متعلقاً بحالة قانونية وصفها المجلس المذكور في أحد احكامه. ذلك أن المادة 93 من نظامه الصادر بالمرسوم رقم 10434 تاريخ 14/6/1975 جاء فيها أن أحكام مجلس شورى الدولة ملزمة للإدارة. وعلى السلطات الإدارية أن تتقيد بالحالات القانونية كما وصفتها هذه الأحكام، وبالتالي لا يمكن وعلى هذا الوصف للحالة القانونية التي نحن بصددها إلا القول أن قرار وزير الخارجية والمغتربين موضوع البحث هو مخالف للقانون على ضؤ عدم إختصاصه وصلاحيته فيه.

وبما أن عيب عدم الإختصاص يمّس وجود القرار الاداري ذاته لصدوره عن جهة لا تتمتع بالصلاحيةلإصدار العمل المعيوب ولا تملك قانوناً حق إصداره أصلاً، فيغدومعدوماً  أو على الأقل مخالفاً للقانون لتعارضه مع مبدأ المشروعية.

وهنا لا بد من الإشارة الى مسألة لغوية وردت في قرار مجلس شورى الدولة أعلاه رقم 70/97. نرى وجوب التطرق إليها عرضاً وهي في الأصل خارج نطاق بحثنا، إنما وللأمانة العلمية، هي ما جاء من تحليل المجلس المذكور لعبارة Caducitéوالتي إعتبر فيها أن

  " العمل الباطل Caduc يعتبر كأنه لم يكن وليس له في أي وقتٍ سابق مفعول....." وهو يقارب في ذلك هذه الكلمة مع عبارة أخرى هي أقرب الى ماشرحه عن التعبير بأنه كأنه لم يكن وهي عبارة Nullité أو  Nullité absolueوذلك لتغاير مفعول العبارتين،

فعبارة Caducité: تعني الإنتهاء أو السقوط أو الإنقضاء اللاحق والبطلان، أي زوال أثر التصرف القانوني بعد نشأته الصحيحة بسبب أمرٍ لاحق، بمعنى آخر أن العقد ( وهنا العمل الاداري الحاصل) صدر صحيحاً وأصولياً، لكنه فقد فيما بعد سبباً من أسباب إستمراره لاحقاً.

أما عبارة Nullité: فهي بطلان التصرف القانوني منذ نشأته ( Ab initio ) بسبب خللٍ فيه عند تكوينه وصدوره بدايةً. أي أن العمل الإداري فيما يعود لقضيتنا الحاضرة على ضؤ ما تقدم نشأ معيوباً في الأساس، ويعتبر لذلك كأنه لم يكن.

و لكن بما أن مجلس شورى الدولة في قرار المذكور، وبهدف تحقيق العدالة، قارب المعنيين للتعبير، بصرف النظر عن عدم تطابقهما لغوياً وجعل من العمل المنتهي منذ نشأته والعمل الذي انتهى لاحقاً بدون أي مفعول قانوني، والسبب في ذلك تحقيق العدالة بصرف النظر عن التعابير، ونرى في ذلك ان موقف شورى الدولة هو موقف متطور لإحقاق الحق. ذلك أن تقريبه بين المفهومين المتمايزين في الإصطلاح هدفه تقليص الفارق بينهما تطبيقاً، توخياً لتحقيق العدالة وتغليباً لجوهر الحق على حرفية الألفاظ.

وبما أن موقف وزارة الخارجية والمغتربين يقع ضمن المفهوم الثاني أي البطلان أساساً، أكثر منه في المفهوم الثاني ( الإنتهاء)، إنما بالنسبة لمجلس شورى الدولة إعتبار العمل دون مفعول ويعتبر كأنه لم يكن، الأمر الذي يقودنا الى البحث في مشروعيته.

4  - في مخالفة قرار وزير الخارجية والمغتربين لمبدأ المشروعية  Principe de la légalité :

بما أن المفهوم السائد لمبدأ المشروعية بمعناه الواسع خضوع الحاكم والمحكومين للقانون، أو بمعنى آخر على الدولة، مبدئياً، بكافة مسؤوليها والمخاطبين بالقانون فيها، وعلى مختلف مستوياتهم، الإلتزام بالقانون الذي هو الأساس في القاعدة القانونية، ويكون من الأجدر وعلى هذا الأساس أيضاً أن يلتزم كافة المخاطبين بالقانون بالنظر في هذا الموضوع على قاعدة إحترام القاعدة القانونية لا إنتهاكها كما حصل في هذه القضية التي نحن بصدد بحثها أصولاً، ذلك لأنه وكما عرّفه ( القانون ) شاعر الثورة الفرنسية Mirabeau أن القانون هو سيد العالم

Le droit est le souverain du monde

وعلى المسؤولين في الدولة أن يكونوا لا الجهة المنتهكة للقانون، وإنما الجهة الحامية له بإعتبار أنه وكما قال العلامة هوريو : لا حكم للقانون في أي مكان بغير سلطة تحميه

«  Nulle part le droit ne règne sans le secours du pouvoir «

( Maurice HAURIOU, Droit constitutionnel, p.253 ) 

وحيث أن وزير الخارجية والمغتربين بخرقه مبدأ المشروعية لجهة إصدار قرار يعود  أمر إصداره لجهةٍ أعلى منه، وبالتالي يشكّل تعديه على صلاحية وإختصاصات لا تعود إليه، لأنها تعود لمجلس الوزراء وفقاً للمادة 65 من الدستور كما تقدم،

وبما أن مبدأ المشروعية  هو الذي يجب أن يحكم تصرفات السلطات كافةً ويعني ذلك:

" ... خضوع جميع السلطات العامة في الدولة للقانون، بأن تتقيد السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية على السواء في جميع التصرفات والأعمال التي تصدر عنهم بالقانون وأحكامه، الأمر الذي يؤدي الى خضوع الحاكم والمحكوم للقانون على السواء ".

( أستاذنا المرحوم الدكتور محسن خليل، القضاء الاداري اللبناني ورقابته لأعمال الادارة، دار النهضة العربية، بيروت 1972، ص,9 )

وبما أن السلطة الحاكمة، مهما كانت صفتها أو مكانتها، يجب أن تكون سلطة الدولة بمعناها القانوني  وليس سلطة الحاكمين، بإعتبار أن الدولة القانونية هي التي تُخضع نفسها للقانون، وليست تلك التي تضع نفسها فوق القانون كما عرّفها الفقيه الألماني Gierke

Le, Recht staat, cet État , un qui se place non au- dessus de droit, mais sous le droit

وبما أن مجلس الوزراء لا يمكنه التلطي وراء قرار وزير الخارجية والمغتربين الشفهي المخالف للنص القانوني الواضح والوارد في المادة 65 من الدستور، والذي يعتبر بمثابة العمل المخالف للقانون لصدوره عن غير ذي صلاحية أو إختصاص، بل واجبه التدخل وإعطاء موقفه الصريح لدقة الحالة، وإذ عليه أن ينبري لتصحيح الوضع بإعتباره صاحب الإختصاص الأصيل والصلاحية القانونية، خاصةً فيما يعود لإتخاذ القرارات السيادية التي ينفذها وزير الخارجية أو غيره، بأن يصدر عنه ( مجلس الوزراء) وهو صاحب الصلاحية قانوناً قراراً يحدد فيه موقفه من السفير الإيراني أو غيره، لكي لا يشجع وزير الخارجية والمغتربين أو غيره من الوزراء على التطاول على صلاحياته وتجاهل إختصاصاته، ووجوده الفعلي والقانوني. علماً أنه في هذا الإطار يجب أن يكون قرار مجلس الوزراء بهذا الشأن بتاريخ جديد، لأن العيب الذي يشوب القرار المعيوب لوزير الخارجية والمغتربين يعتبر غير موجود ولا مفاعيل قانونية له Acteinexistanlnul et non avenu، لصدوره عن موظف غير مختص ولاصلاحية له لإتخاذ تدبير بمستوى هذه المسألة تعود لغيره قانوناً، وهذا العيب لا يمكن تغطيته لاحقاً بتصديق العمل الاداري المخالف للنص الدستوري او القانوني:

“ Le vice d’incompétence ne peut être couvert par l’approbation de l’acte par l’autorité compétente »

( Conseil d’Etat, 11 décembre . Sté Lyonnaise des Eaux, Rec. Lebon, p. 305)

ولم يقتصر الأمر على الإجتهاد الفرنسي فقط، إنما أكّد الإجتهاد الإداري اللبناني هذا المنحى لجهة إعتبار أن تصحيح العمل الاداري الباطل المعتبر عديم الوجود أمر غير جائز لإستحالة إحياء المنعدم أصلاً:

" ... لأنه وعلى سبيل الإستطراد لا يمكن تصحيح العمل الإداري المشوب بعيب يتمتع بالمشروعية الخارجية كأن تستكمل لاحقاً شكلية أو إجراء. ذاك أن الباطل لهذا السبب يبقى باطلاً وما يمكن فعله هو إتخاذ قرار جديد يتلافى العيب السابق.

IL est particulièrement important d’être attentif à ne pas commettre une telle illégalité ( illégalité externe) car les actes qui en serait entachés ne seraient pas régularisables par la ratification de l’acte par l’autorité compétente, ou par l’accomplissement à postériori des procédures ou formes omises. IL n’y a de possible que l’édiction d’une décision nouvelle.

Chapus D.A.G. tome 1 11~ème édit. N~ 1213 ……….. »

( قرار مجلس شورى الدولة رقم 159 تاريخ 3/12/1998)

ويكون موقف الفقه والإجتهاد حاسماً لجهة أن القرار الاداري المخالف للقانون لا يمكن إضفاء المشروعية عليه بتصديقه بعد صدوره لإضفاء صفة المشروعية عليه، لأنه أصلاً قرار غير موجود قانوناً لصدوره خلافاً لما نصّ عليه الدستور والأنظمة والأعراف.

ورب قائلٍ هنا أن الوزير غير موظف، والإجابة عن هذا التساؤل  أجابت عنه هيئة التشريع والإستشارات في وزارة العدل بالرأي الإستشاري الصادر عنها بتاريخ 21/1/1958 ، الذي جاء فيه:

".... ورئيس الجمهورية يعتبر موظفاً، وهو الموظف الأول في الدولة "

Voir ESMEIN, Droit Constitutionnel, tome II , p. 320

فإذا كان من عيّن الوزير يعتبر موظفاً، فهل يمكن ضمن هذا السياق إلا إعتبار أي وزير في هذا النطاق كذلك أيضاً.

وزيادةً في التأكيد على صدق هذا التوجّه، أن الأمر لم يقتصر على رأي إستشاري فقط، وإنما تكرّس قانوناً بالمادة الأولى من القانون رقم 189 تاريخ 16/10/2020 (قانون التصريح عن الذمة المالية والمصالح ومعاقبة الإثراء غير المشروع)، التي جاء فيها:

" 1-... من أجل تطبيق أحكام هذا القانون يقصد بالمصطلحات التالية ما يلي:

  1. الموظف العمومي : أي شخص يؤدي وظيفة عامة أو خدمة عامة، سواءً أكان معيناً أو منتخباً، دائماً أو مؤقتاً، مدفوع الأجر أم غير مدفوع الأجر،.... بما في ذلك أي منصب من مناصب السلطات الدستورية، أو أي منصب تشريعي أو قضائي أو تنفيذي أو إداري أو عسكري أو مالي أو أمني أو إستشاري,..."

وبالتالي يكون الوزير مندرجاً في إحدى الفئات المعنية  والمشمولة بالنص القانوني أعلاه، ويتصف قانوناً بأنه موظف عمومي، مما يحسم الجدل في أنه موظفاً عمومياً أم لا، نصاً وإجتهاداً، وقراره يكون إذن صادراً عن موظف غير مختص، ويعتبرهذا القرار، وبالشكل الذي صدر فيه، مخالفة للقانون، بالإفتئات على ما يسمى مخالفة العنصر الشخصي لركن الإختصاص في القرار الاداري، لأن المقصود في العنصر الشخصي أن يصدر القرار عن من أجاز له القانون حق إصداره  بإعتباره واجباً عليه، حيث جاء في هذا الصدد:

“ le principe est que le compétence est personnelle. Cela veut dire que l’agent chargé de prendre une décision dont agir lui-même personnellement. IL ne peut pas renoncer à exercer sa compétence en donnant par exemple , à un autre agent la mandat d’agir à sa place. Telle est la règle générale  « .

( D. Ahmed MAHIOU, cours d’institutions administratives, 3~ème édit. Office de publications universitaires, Alger, 1981< p. 205)

 وبالتالي فإن السلطة الإدارية التي تملك حق إصدار القرار والصلاحية القانونية بإعتبار أن السفير الإيراني غير مرغوبٍ فيه هي سنداً للمادة 65 من ىالدستور مجلس الوزراء للأسسباب السياسية والدولية المتعلقة بالسيادة الوطنية كما تم الإشارة إليه فيما سبق أعلاه من جهة. ومن جهة أخرى لأن النص الدستوري حدد صاحب الإختصاص في ذلك وحصره بمجلس الوزراء، فيكون قرار وزير الخارجية والمغتربين يتسم بإغتصاب السلطة ويخرق ويتعارض مع مبدأ المشروعية، ويؤدي الى إنعدام القرار المشار إليه لأن الفقه لم يعد يقتصر على المفهوم القديم لإنعدام القرار الإداري وإنما توسّع في هذا المفهوم الذي كرّسه الإجتهاد الإداري معتبراً أن إنعدام العمل الاداري لم يعد يقتصر على حالة إغتصاب السلطة، وتعدي سلطة ادارية على إختصاصات السلطة التشريعية او القضائية او على الحريات العامة او الحقوق الخاصة، بل إنكل مخالفة واضحة يمكن أن تؤدي الى إنعدام القرار،

وقد قرر الإجتهاد الإداري في قرارٍ صادرٍ عن مجلس القضايا لدى مجلس شورى الدولة التالي في هذا الصدد:

" وبما أن كل مخالفة من المخالفات .... هي على ضؤ ما تقدم، مخالفة جسيمة من شأنها ان تؤدي، إذا ما إعتورت العمل الإداري، الى إنعدامه. ذلك أن إنعدام العمل الإداري لم يعد يقتصر على حالة إغتصاب السلطة، وتعدي سلطة ادارية على اختصاصات السلطة التشريعية او القضائية او على الحريات العامة او الحقوق الخاصة، بل إن كلمخالفة واضحة يمكن ان تؤدي الى انعدام القرار

يراجع:

Weil:-131- “ Une resurrection, la théorie de l’inexistance en droit administratif »

D 1958 Ch p.51

La récente résurrection de la théorie de l’inexistance est accompagnée d’une considérable extension de son champ d’application. La définition de Lafferrière a même été semble-t-il, largement dépassée. En dehors de l’insurpation de pouvoir, de

l’empiétement sur les pouvoirs législatifs ou judiciaires et de l’atteinte aux libertés publiques ou aux droits privés, toute illégalité manifeste peut entraîner aujourd’hui l’inexistence de l’acte « 

( قرار مجلس شورى الدولة رقم 14 تاريخ 19/11/1992)

وهنا يحضرنا ما قاله العميد Bonnard عندما قال أن الدولة ليست هي داخل النظام ولكنها هي هذا النظام

L’État n’est pas dans le système de droit, il est ce système

فمن الواضح جداً إزاء ما تقدم أنه لا يمكن إسباغ الشرعية على قرار وزارة الخارجية والمغتربين المتخذ بإعتبار السفير الإيراني السيد شيباني شخص غير مرغوبٍ فيه لأنه غير مسند قانوناً الى أي نص قانوني يجيز للوزارة أمر إتخاذه، نظراً لأنه وكما تبين لنا آنفاً، يعود للوزارة المذكورة ذلك، لوكان هناك قراراً صادراً عن مجلس الوزراء بذلك، فيكون لها الحق القانوني بمتابعة تنفيذه, الأمر غير الحاصل قانوناً . وبالتالي يكون أي إجراء خارج نطاق مبدأ المشروعية يعد تقويضاً وخرقاً للنص الدستوري الوارد في المادة 65 من الدستور بشكلٍ واضح ومشوباً بعيب عدم المشروعية , والصلاحية، لوجوب صدور القرار عن مجلس الوزراء، والتغاضي عن التصدي له أصولاً من مجلس الوزراء، يتنافى والقواعد القانونية الآمرة والدور المسؤول لمجلس الوزراء في متابعة تنفيذ المقررات التي كان قد إتخذها لو كان قد حصل ذلك، وأيضاً يتعارض مع كافة المبادىء العامة للقانون ومشوب بعيب خرق الدستور، الأمر الذي يعيب العمل ويسجل مأخذاً على مجلس الوزراءلأنه:

*- تغافل عن إتخاذ قرار سيادي يعود له حصراً أمر إتخاذه، ومتعلق بسياسة الدولة اللبنانية المناط بها أمر إتخاذه ومراقبة تنفيذه من قبل وزارة الخارجية والمغتربين وفقاً لما حددته له المادة 65 من الدستور، الأمر الذي لم يقم به، مع أنه ينطبق عليه صفة العمل الحكومي وفقاً لما جاء في إجتهاد مجلس شورى الدولة في قراره المشار اليه رقم 290 تاريخ 18/8/1998 أعلاه

*-  إن إتخاذ قرار يتعلق بالأعمال الحكومية هو من صلب إختصاص مجلس الوزراء والصادر عن السلطة التنفيذية دون غيرها، في علاقاتها مع سلطة دولية أخرى لا تخضع للقضاء كما إستقر عليه الإجتهاد بتقريره:

" ... بما أن العلم والإجتهاد قد إستقرا على القول أن العمل الحكومي هو الإجراء الصادر عن السلطة التنفيذية في علاقاتها مع أية سلطة أخرى لا تخضع للقضاء.

“ l’acte de gouvernement est actuellement un acte accompli par le pouvoir exécutif, dans ses relations avec une autorité à tout contrôle juridictionnel, c’est-à-dire principalement le législateur ou une puissance étrangère….( Si  le Conseil d’État ) se livrait  à ce contrôle, il risquerait …….. d’excéder sa compétence en appréciant des activité législatives ou internationales « .

ODENT, Contentieux administratif, Fasc. I , p. 397

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

“ Se rattachent  aux rapports internationaux et  échappent à ce titre à la compétence de la juridiction administrative tous les actes  accomplis par le gouvernement franÇais dans ses rapports avec les organismes internationaux ou des États étrangers « 

ODENT, idem, op.cit. Fasc. I p. 161

Encyclopédie DALLOZ, Acte de gouvernement – II -  « 

( قرار مجلس شورى الدولة رقم 67 تاريخ 13/11/1996)

وبما أن ما يميز العمل الحكومي عن العمل الإداري يكمن في أهمية العمل المتخذ. فإنجاز الأعمال الادارية يعتبر عملاً إدارياً يجوز للوزير المختص القيام به من خلال صلاحيته الادارية والدستورية المرتكزة للمادة 66 من الدستور وللقوانين والأنظمة المرعية الإجراء. أما التصدي لمسائلٍ كبرى تضمن السياسة والمصالح الوطنية الهامة كعلاقات لبنان مع الدول الأجنبية فإنه يعتبر عملاً حكومياً يتعيّن صدوره عن مجلس الوزراء بالذات سنداً للنص والاجتهاد معاً، والذي يعود إليه قانوناً أمر تقريره. ويخرج عن نطاق سلطة وزير الخارجية والمغتربين الدستورية، الذي بصدوره عنه دون تقريره قبل ذلك من مجلس الوزراء يصبح تدبيراً صادراً بوضوح عن سلطة غير صالحة قانوناً لإتخاذه Autorité manifestement incompétente.

ومن المناسب في هذا الصدد ألقول أن للوزير- أي وزير ، وفقاً للدستور والقوانين النافذة دورين:

*- إداري: فهو الرئيس الأعلى في وزارته، يعود له حق التقرير في كل الأمور العائدة لإدارته دون غيرها، بإعتباره متولياً لمصالح الدولة في تلك الإدارة.

*- دستوري: ويتولى من خلاله ثلاثة انواع من الوظائف :

        - إقتراح مشاريع المراسيم التنظيمية أو التطبيقية، إضافةً الى الفردية منها، وكذلك الأمر بالنسبة الى مشاريع القرارات التي يقترح صدورها عن مجلس الوزراء بسبب عائديتها له قانوناً,

        - مشاركة رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء في التوقيع على مشاريع المراسيم، مع كافة الوزراء المعنيين بمشروع المرسوم، عند الإقتضاء.

        - المشاركة في مناقشات مجلس للوزراء توصلاً لرسم السياسة العامة للدولة في جميع المجالات لإقرارها.

وبما ان النوع الثالث هذا هو من الأهمية بمكان فيما يعود للمسألة موضوع بحثنا، مما يستوجب العودة معه، الى ما قرره المجلس الدستوري بهذا الشأن، حيث بيّن في قرارٍ له أن هذا النوع من النقاش الحاصل بشأن المقررات والمشاركة فيه هي إمكانية ضمانة دستورية للوزير نفسه، بشأن أي تدبير سيتخذ، ووزارته معنية فيه، سواءً كان موقفه بشأنه سلبياً أم إيجابياً، بإعتبار أنه في النهاية إلتزامه به سندأً لمبدأ التضامن الوزاري

( Solidaritè ministèrielle) الذي وإن لم يكن وارداً نصاً في الدستور، إلا أنه هو مبدأ ذو قيمة دستورية ملزمة ضمنياً، مستمد من روح المادة 66 من الدستور، ومؤكداًلطبيعة السلطة التنفيذية الجماعية المنصوص عنها في المادة 65، ومترجم عملياً عبر آليات المسؤولية السياسية أمام مجلس الوزراء المنوّه عنها في نهاية المادة 66 من الدستور والتي حاء في الفقرة الأخيرة منها حرفياً:

“...يتحمّل الوزراء إجمالياً تجاه مجلس النواب تبعة سياسة الحكومة، ويتحملون إفرادياً تبعة أفعالهم الشخصية

 بمعنى آخر، إن هذا المبدأ له أساس واضح في النظام الدستوري اللبناني. ذلك أن مبدأ التضامن الوزاري هو حجر الزاوية في النظام البرلماني، إذ يقتضي أن تظهر الحكومة كهيئة موحدّة في مواقفها، وأن يتحمل الوزراء جماعياً تبعة سياستها العامة، بحيث تمتنع عليهم المعارضة العلنية لقرارات مجلس الوزراء تحت طائلة المسؤولية السياسية وفق ما أبداه HAURIOU

«   La solidarité ministérielle est la condition de l’unité d’action du Gouvernement «  

Maurice HAURIOU, Précis de droit constitutionnel,  2~ème édit. Sirey, 1929. P. 412-415

وجاء العميد DUGUIT ليؤكد تضامنية الحكومة بقوله

« Le ministère est un corps solidaire »

Léon DUGUIT, Traité de droit constitutionnel, t.II, 3~ème édit. ,Fontemoing, Paris 1927, p. 456 et s.

 ومن هذا المفهوم  تطرق المجلس الدستوري في قرار له، ليصف فيه مكنون فلسفة دور الوزير في المشاركة في وضع السياسة العامة أنطلاقاً من دوره في كونه أحد أركان السلطة التنفيذية حيث جاء ليقرر:

" حيث عملاً بالمواد 54 و65 و 66 من الدستور، يمارس الوزير نوعين من الوظائف:......

حيث أن سلطة الوزير في الإقتراح، وفي المشاركة، في إتخاذ القرار داخل مجلس الوزراء لجهة السياسة العامة للدولة في شتى المجالات، تشكّل في حقيقة الأمر ضمانة دستورية تحصّنه لجهة أي تدبير ذي صلة مباشرة بوزارته لن يُتّخذ دون موافقته

“ A. Les ministres

Dans un régime parlementaire, les ministres ont une double fonction : participer à l’élaboration de la politique générale du gouvernement et diriger un département ministériel…….

Leur principale tâche est d’administrer un ensemble de services qui, du seul fait qu’ils sont placés sous l’autorité d’un ministre, constituent un ministère…..

Cette autonomie des ministres est renforcée par l’exigence constitutionnelle de leur contreseing au bas des décrets, qui leur donne la garantie qu’aucune mesure concernant directement leur département ne sera prise sans leur accord « 

Bernard Chantebout, Droit Constitutionnel, 22~ème édition, Août 2005, p. 479- 480 « 

( قرار المجلس الدستوري رقم 4/ 2020 تاريخ 3/7/2020)

وبما أنه كان على وزير الخارجية والمغتربين، واسترشاداً بما قرره المجلس الدستوري أعلاه، لجهة تحصين قراره المعيوب قانوناً بإستصدار قرار عن مجلس الوزراء وفقاً للأصول بعد المشاركة داخله في رسم السياسة العامة للدولة كما جاء في القرار الدستوري، ويتابع هو فيما بعد إجراءات تنفيذه، الأمر غير الحاصل، مما يوصم قراره بالخروج عن الأصول المحددة قانوناً ويجعله مخالفاً للقانون. الأمر الذي يضعف من القيمة الفعلية لمضمون قراره بالشكل الحاصل،

تأسيساً على ما تقدم يستنتج:

  • - أنه سنداً للمادة 65 من الدستور يكون قرار إعتبار السفير الإيراني شخصاً غير مرغوبٍ فيه صادراً عن شخص لا صلاحية له لإصداره، لوجوب صدوره قانوناً عن مجلس الوزراء، وينفّذ عبر وزير الخارجية والمغتربين الذي ينعقد دوره بعد صدوره أصولاً بمتابعة تنفيذه، الأمر غير الحاصل، مع الإشارة هنا الى أنه يجب عند صدوره أن لا يكون تعسفياً، وفقاً لما أجمع عليه الفقه الدولي بأن قرار إعتبار الدبلوماسي شخصاً غير مرغوبٍ فيه Persona non grataهو حق إستنسابي تقديري، لكنه لا يجب أن يكون تعسفياً

Persona non grata is a discretionary right;, but not an abusive one

  • - أن قرار وزير الخارجية والمغتربين الذي تم الإعلان عنه، وبالشكل الحاصل، بإعتبار السفير الإيراني شخصاً غير مرغوبٍ فيه، بالمفهوم القانوني هو تجاوز لحد السلطة، لصدوره عن سلطة غير صالحة لإتخاذه، ولتعأرضه مع الدستور. ويمكن أخذه بعين الإعتبار قانوناً، حين إعلانه بعد صدوره عن السلطة الصالحة لإصداره ونعني بذلك مجلس الوزراء الذي هو من أحد أركانه، لأن القوة في أي موقفٍ كان هي للحق، وهو ما يذكرنا به روسو بقوله أن الأقوى ليس قوياً بما يكفي ليبقى سيداً دائماً، إن لم يحوّل قوته الى حق

“ Les plus forts ne sont jamais assezforts pour être toujours les maîtres, s’il ne transforment leur force en droit « 

Jean Jaques ROUSSEAU, contrat social, livre I, chapitre 3 ، 1762

وبما أن وزير الخارجية والمغتربين بقراره هذا وبالشكل الذي حصل فيه، يكون قد  أفرغه من أي أثر قانوني، ويبقى في حالته الحاضرة في إطار رسالة سياسية بإنزعاجٍ ما من دبلوماسي، ولا يرتقي لمرتبة القرار القانوني. إذ كان على وزارة الخارجية والمغتربين تلافيها عدم إتباع الأسس غير القانونية، لأن الدبلوماسية اللبنانية، بما تختزنه من إرثٍ ومكانة، ليست ساحةً للتجاذب، بل مرآة لوجه لبنان الحضاري، وعليه، فإن كل مقاربة لها ينبغي أن تبقى في مصاف ما يليق بدورها، وفوق الإعتبارات الضيقة، والحساسيات من بعض دون البعض الآخر، في المسألة الواحدة ذاتها، وضمن حدود القانون والأطر والأعراف الدولية والدبلوماسية التي ترعى العلاقات بين الدول بما يحفظ هيبة الدولة ومكانتها، ويصون أصول اللياقة الدولية فيها، وأن يأتي عملها منزهاً عن أي إعتبارات يمكن أن تتسم بالشخصانية، وتستقيم الأمور أساساً بإتباع الأصول القانونية التي لا تبقي للإعتبارات الضيقة أي أثر مما ينتج  القول أنه لوجوب إعتبار شخصاً غير مرغوبٍ فيه، أن يصدر قرار عن مجلس الوزراء حيث يصبح قراراً رسمياً صادراً عن دولة تحترم مواثيقها الدولية التي كرّسها الفقه في القانون الدولي ومنهم  Hugo GROTIUS بقوله:

“ Les droit de gens…. tire sa force de la volonté des nations

 وبقدر ما يتم إحترام القانون تجاه الأمم بقدر ما يتم إحترام قرار دولة من الدول، إنسجاماً لبنود العقد الإجتماعي الداخلي والخارجي من جهة، وللمواثيق الدولية للمشاركين فيها من جهةٍ أخرى، إنطلاقاً من مقولة

Victor HUGO

“Vous voulez la paix? Créez l’amour « 

وذلك إنطلاقاً من المفهوم الذي أرساه  Leo TOLSTOYفي تعبيره أن المعنى الوحيد للحياة هو خدمة الإنسانية

The sole meaning of life is to serve humanity

ذلك ان العلاقة الدبلوماسية التي يُراد لها أن تُحتذى لا تقوم على مجرد تبادل التمثيل أو إدارة المصالح الظرفية، بل ترتكز على معادلة دقيقة بين السيادة والمسؤولية، وبين حماية المصلحة الوطنية واحترام النظام القانوني الدولي. فهي علاقة تُدار في إطار الشرعية، وتمارس ضمن حدود الإختصاص، وتصاغ إدواتها بروح مؤسساتية تحول دون شخصنتها أو إنزلاقها الى ردود فعل آنية خارج نطاق الواجب فعله او اعتماده.

وفي هذا السياق أو الإطار، يُشكل الإلتزام بقواعد القوانين، ومنها القانون الدستوري ولا سيما إتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية أيضاً المشار اليها أعلاه، معياراً أولياً، لا بوصفه نصاً شكلياً فحسب، بل بإعتباره تجسيداً مستقراً بين مقتضيات السيادة ومتطلبات التواصل الدولي. فالدبلوماسية الرشيدة هي تلك التي تُحسِن إستخدام الوسائل التي تتيحها القوانين، من الحوار، الى الإحتجاج، الى التدابير السيادية، ضمن مسار وتدرج عقلاني يحفظ هيبة الدولة دون أن يقوّض جسور العلاقة بين الدول،

وعليه، فإن النموذج الأمثل للعلاقات الدبلوماسية هو الذي يُخضِع العمل الخارجي لمنطق الدولة لا لمنطق الأفراد. ويوازن بين الحزم والإنفتاح، بحيث لا تتحول السيادة الى عزلة، ولا المرونة الى تفريط. ويعتمد الشفافية المقننة التي تبقي القرار في إطاره المؤسساتي دون الإخلال بضرورات الكتمان الدبلوماسي. ويجعل من إحترام الإلتزامات الدولية مصدر قوة، لا قيداً على الإرادة الوطنية. فحيث تدار  العلاقات الخارجية بهذا المنطق، تغدو الدبلوماسية أداةً لترسيخ الإستقرار التواصلي بين الدول لا تصادمها، بما يرفعها من مستوى الممارسة اليومية العادية، الى مرتبة النموذج الذي يحتذى، بإعتبار أنه وإن كانت العلاقات الدولية قد نشأت تاريخياً على إعتبارات القوة، إلا أنها في ضؤ التطور الفقهي والقانوني، ونضيف الأخلاقي، أضحت خاضعةً لمقتضيات إنسانية عليا، تجعل من الكرامة البشرية معياراً، ومن التعاون غاية، ومن السلام القائم على التفاهمثمرةً لا مجرد هدنة بين صراعات. فلنتعالى لنعلو، ذلك أن الفكر الفلسفي والقانوني قد سعى ألى تأسيس مستوى أعلى Normatif يعلو على مجرد المجاملات الدبلوماسية والنوايا الحسنة، ويجعل إنسانية وإرتقاء العلاقات الدولية واجباً أخلاقياً ملزماً لا خياراً أدبياً فقط تتمحور حول ثلاث ركائز مترابطة:

الأولى: الأخلاق كواجب كوني Ethique de l’obligation

جسدها Immanuel KANT  بأن الأخلاق لا تقوم على العاطفة بل على الواجب

« Agis de telle sorte que tu traites l’humanité…. Toujours comme une fin et jamais simplement comme un moyen « 

بمعنى أن الدولة في علاقاتها الخارجية، لا يجوز لها أن تعامل الإنسان أو الشعوب لتحقيق مصالحها، بل كغاية في حد ذاتها، وهو ما يرفع الإنسانية من مجرد قيمة أخلاقية إلى مبدأ إلزامي كوني.

الثانية: الأخلاق كقانون فوق الدول  Ethique juridiciséeنظرية إعتبرها     Hugo GROTIUS تطوراً في القانون الدولي الحديث يتبيّن منها أن هناك قواعد تعلو على إرادة الدول، مستمدة من العقل والضمير الإنساني.

ونرى نحن أن نسبغ عليه أنه تعبير يمتد ليتصل بالقانون الطبيعي بمفهومه الواسع الى حدٍ ما.

الثالثة: الأخلاق كمسؤولية تجاه الآخر Ethique de la responsabilitéenversl’autre

ومن يمثلها في الفلسفة المعاصرة على وجه الخصوص Emmanuel LEVINAS الذي يرى بأن العلاقة مع " الآخر" تفرض مسؤولية سابقة على أي عقد او تصرف أو مصلحة، مما يوجب على الدولة أن لا تتصرف فقط وفقاً لمصلحتها الذاتية فقط، وإنما أن تتحمل أيضاً مسؤولية أخلاقية مباشرةً تجاه الآخر حتى ولو كان خارج حدودها. الأمر الذي نفتقده في مواقف البعض من أركان اهل الحكم في مختلف البلاد والدول.

وما يجمع هذه الركائز الثلاث هو فكرة تحويل الإنسانية من شعور إلى إلتزام، ومن إلتزام الى قاعدة قانونية ومن قاعدة قانونية الى مسؤولية وجودية مباشرة تجاه الآخر، ذلك أن إنسانية العلاقات الدولية، لم تعد مجرد نزعة أخلاقية تُستحسن، بل غدت في ضؤ الفكر الفلسفي والقانوني والتطورات الحاصلة، التزاماً يتجاوز إرادة الدول، ويفرض عليها أن تعلو بسلوكها الى مستوى معاملة الإنسان كغاية لا كوسيلة، وأن تتحمل في آنٍ معاً، مسؤولية أخلاقية وقانونية تجاه الآخر، بحيث تصبح العدالة الدولية إمتداداً للضمير الإنساني في صورته الأسمى

بيروت في 17/4/2026

المحــامــي وليــد نــورالــدين الــخطــيب

شارك هذا المنشور